«مخَاصصة» لا مُحَاصصة في «تلفزيون لبنان»!
newsare.net
رهام سويد- … وفسّر الماءَ بعدَ الجُهد بالماءِ. هذه هي حال وزير الإعلام بول مرقص مع تشكيلته لمجلس إدارة «تلفزيون لبنان» التي حرَص فيها على اختي«مخَاصصة» لا مُحَاصصة في «تلفزيون لبنان»!
رهام سويد- … وفسّر الماءَ بعدَ الجُهد بالماءِ. هذه هي حال وزير الإعلام بول مرقص مع تشكيلته لمجلس إدارة «تلفزيون لبنان» التي حرَص فيها على اختيار أسماء معيّنة لإعلاميين في السياسة «الحزبية» ولو من دون بطاقات انتماء، فتشجّع الآخرون الذين لم تكن لهم حصة مباشرة، وسياسية بالتحديد، على تقديم أسماء من «الطاقم» الإعلامي السياسي لديها. والنتيجة ارتباك وبلبلة وخشية من رد الفعل على العهد والحكومة، فأُجّل الموضوع إلى الأسبوع المقبل. كنا في المحاصصة، فوقعنا جميعاً في «المخاصصة»، ولنشرح كيف: هناك نوعان من المحاصصة، الأول أن يختار زعماء البلد ممثلين لهم في دوائر الدولة من الحزبيين ولو سوّدوا الوجوه. والثاني أن يختار الزعماء شخصيات حزبية أو غير حزبية لكنْ لديها خبرات مهنية تسترُ الوجه. في تشكيل مجلس إدارة «تلفزيون لبنان» أخيراً (لم تصدر اللائحة النهائية بعد!) لا المحاصصة الأولى طُبّقَت، والثانية تم الالتفاف عليها، فاندفع الجميع نحو «المُخاصصة»: تعيين الأقربين، من الخواص، ومِن فئة مهنية واحدة هي مهنة الإعلام السياسي. الوزير مرقص نال حصته والرئيس عون والرئيس سَلام، فطالب الوزير السابق جنبلاط بخاصٍ من إعلامييه، وكذلك فعل رئيس المجلس النيابي. بمعنى أنّ مَن لم يحظَ في ما أُعلنَ من التركيبة الأولى بتعيين مُنتمٍ إلى الإعلام السياسي من بطانته، سارع إلى طرح أسماء من جماعته الإعلامية السياسية استقرّت في اللائحة الأخيرة التي كان من الأسلم إحالتُها إلى جلسة الحكومة المقبلة. المشكلة الفظيعة أن السياسيين في البلد ينظرون إلى «تلفزيون لبنان» على أنه cnn لبنان، وينبغي أن يتمثلوا فيه حتى لا «يضيع» منهم شيء. وهو أضعف منبر تلفزيوني في لبنان، لا في السياسة تركوه يقدّم برامج جاذبة وحيوية، ولا أمّنوا له موازنات ليقوم بدوره في غير ذلك من البرامج، فكانت النتيجة محطة متهالكة تتقاسمها داخلياً الفئويات الحزبية، ويحكمها إدارياً أشخاص غالباً ما اعتقدوا أنهم أمسكوا بمقادير السلطة. والوزير مرقص المنفتح على الآراء، غير مجَرّب في الإعلام ولم يعتقد أنّ جمعَ أربعة أو خمسة أشخاص سياسيي الطابع والروحية، لن يقوموا بأوَد المحطة الرسمية اللبنانية بقدر ما سيسعون إلى حفظ أوضاع الموظفين «العائدين» لهم. وفَتِّشوا في كل المحطات التلفزيونية اللبنانية، فلن تجدوا في مجالس إدارتها هذا الكمّ من الناطقين بالسياسة. والناطقون بالسياسة في الأسماء التي تسرّبت لإدارة تلفزيون الدولة هم حصة الأسد. لا مُخرج له احترام في صناعة مسلسلات، ولا إعلامي له شخصية كاريزمية، ولا خبير في صناعة الإعلام الناجح. ولا مُعدّ ومنفّذ برامج اجتماعية ولا ترفيهية ولا فنية ولا ثقافية... وهؤلاء هم صانعو الشاشة الصغيرة الأساسيون وليس المعقّبون على الأحداث السياسية. وبوضوح، يمكن القول إن البرامج السياسية (في السهرة!) التي قدمتها الشاشة الرسمية منذ سنوات كانت فقيرة شكلاً ومضموناً، واستمرت كذلك حتى اليوم لا لشيء إلا لأنّ الوزراء السابقين، عادةً، يضعون رأسهم في هذا البرنامج على أنه الترياق. فلا الترياق يظهر، ولا الشاشة الصغيرة تكبر في عيون أحد. وتالياً لن يكون الحلّ باستقطاب مذيعين ومحلّلين في السياسة إلى إدارة محطة مقهورة، مكسورة، تريد برامج، تريد أن تكون محطة مُشاهَدة، تريد اجتماعيات، تريد ثقافة، تريد ترفيهاً، تريد مسلسلات، تريد فنوناً، وتريد أن تقف على رِجليها بإدارة يمكنها خَلْق أفكار برامج لا استقبالها فقط من الآخرين، وتريد مَن يتابع تفاصيلها بدقة في الاستديوهات لا النظَر إليها من فوق، من عند السياسة، وتقطيب الحاجبين علامة الاستعلاء. الواقع، أنه تجوز الشفقة على «تلفزيون لبنان» نتيجة التعامل معه كابن جارية، وتجوز الشفقة عليه أكثر إذا كان الإصلاح بهذا الأسلوب. لقد تقبل الوزير مرقص الرفضَ المتعدد الجوانب لتشكيلته الإدارية لمجلس إدارة «تلفزيون لبنان»، بكثير من الهدوء والتبصّر عكس ما يفعل الآخرون انفعالاً ونزَقاً، ويتجه حالياً إلى تبديل القواعد التي اشتغل عليها، بأن يستبعد الأسماء الإعلامية العاملة في السياسة (واللغط حصل حولها أساساً) ويلتفت إلى الأسماء التي يعمل أصحابها في إنتاج موادّ التلفزيون، من تقديم برامج ومسلسلات وتقنيات ولديهم تجارب عملية ناجحة، وأسماؤهم توحي بالاحترام لا بالاعتراض. ويتردد أنه تلقّى نصيحة بالإسراع في ترتيب تشكيلة جديدة تُبَيِّض الوجه، قبل أن تبرز صعوبات وحساسيات إضافية في التعيينات في مجلس الوزراء. ذاكرة جاء الرئيس أمين الجميل في الثمانينيات بالمسرحي ريمون جبارة رئيساً لمجلس إدارة «تلفزيون لبنان»، فقدّم نموذجاً إبداعياً في الإدارة رغم ظروف البلد والميليشيات الانقسامية. الرئيس رفيق الحريري جاء في التسعينيات بالمُخرج فؤاد نعيم فأعطى تلفزيون الدولة شخصيةً إعلامية متميزة. لمَ لا يحتذي الوزير مرقص بهذه الأمثلة؟ فالسياسة والسياسيون والإعلام السياسي التابع بكل التفاصيل، لم يُعطُوا يوماً نماذج خلّاقة وجامعة وصحيّة في أي مرفق لبناني، للأسف! Read more