ما بعد اليونيفيل: هل تكفي الصيغ الأوروبية لحماية الجنوب؟
newsare.net
أنطوان الأسمر -فيما يقترب موعد انتهاء ولاية قوات الأمم المتحدة الموقتة في الجنوب، يدخل البلد مرحلة شديدة الدقة تتجاوز بكثير مسألة التمديد الرما بعد اليونيفيل: هل تكفي الصيغ الأوروبية لحماية الجنوب؟
أنطوان الأسمر -فيما يقترب موعد انتهاء ولاية قوات الأمم المتحدة الموقتة في الجنوب، يدخل البلد مرحلة شديدة الدقة تتجاوز بكثير مسألة التمديد الروتيني أو التعديل التقني في التفويض. فالاستحقاق المقبل يطرح، في جوهره، سؤالًا مصيريًا حول مستقبل الضمانات الدولية في الجنوب، في لحظة إقليمية تتسم بتبدّل عميق في الأولويات، وتراجع واضح في شهية المجتمع الدولي للانخراط المباشر في أزمات الشرق الأوسط.شكّلت «اليونيفيل»، منذ إقرار القرار 1701، عنصرًا ضابطًا لإيقاع التوتر على طول الخط الأزرق. صحيح أن فاعليتها بقيت محدودة، وأن قدرتها على منع الخروق الإسرائيلية أو ضبط الاشتباك غير المباشر لم تكن كاملة، إلا أنها أدّت دور الصمّام الذي حال دون انزلاق الجنوب إلى مواجهة مفتوحة وشاملة. وجودها، بحدّ ذاته، وفّر مظلّة دولية حدّ أدنى، وخلق توازنًا هشًا لكنه ضروري في منطقة شديدة الحساسية.اليوم، يزداد القلق اللبناني مع تزايد الحديث عن احتمالات تقليص دور «اليونيفيل» أو استبدالها بصيغ مختلفة. هذا القلق لا ينبع فقط من الخشية من الفراغ الأمني، بل من إدراك واقعي لمحدودية قدرة الدولة اللبنانية، في وضعها الراهن، على تولّي العبء الأمني منفردة في منطقة تعجّ بالتعقيدات العسكرية والسياسية. فالخروق الإسرائيلية المتكررة، والتوتر المستمر المرتبط بسلاح حزب الله، يجعلان أي اختلال في معادلة الضبط القائمة مخاطرة كبيرة قد تعيد الجنوب إلى دائرة الاحتكاك المفتوح.في المقابل، تنظر العواصم الأوروبية إلى الاستحقاق من زاوية مغايرة. لا ينطلق النقاش الدائر داخل الاتحاد الأوروبي من سؤال كيف نُبقي على اليونيفيل بقدر ما ينطلق من سؤال ما البديل الأكثر انسجامًا مع المرحلة المقبلة. فالتجربة الكلاسيكية لحفظ السلام باتت، في نظر كثيرين، مكلفة سياسيًا وعسكريًا، وأقل قابلية للاستمرار في ظل التحولات في دور أوروبا الأمني وتراجع قدرتها على الانتشار الميداني الواسع.من هنا، تبرز أفكار تقوم على تعزيز دعم الجيش عبر التدريب والتجهيز والمواكبة التقنية، أو إنشاء بعثة أوروبية ذات طابع استشاري وأمني محدود، بدل الإبقاء على قوة فصل ذات صلاحيات ميدانية واسعة. تعكس هذه المقاربة توجّهًا أوروبيًا نحو تخفيف الأعباء والانتقال من التدخل المباشر إلى إدارة المخاطر عن بُعد، مع تحميل الدولة اللبنانية مسؤولية أكبر عن أمنها الحدودي.يصطدم هذا المسار بجملة من العوائق البنيوية.-أول هذه العوائق يتمثل في الموقف الإسرائيلي، الذي لا يُخفي رفضه لأي صيغة دولية قد تقيّد هامش حركته العسكرية. فتل أبيب تدفع، بشكل واضح، نحو تحميل الجيش اللبناني وحده مسؤولية ضبط الحدود، من دون توفير ضمانات متبادلة أو التزامات واضحة بوقف الخروق، ما يجعل أي ترتيبات بديلة عرضة للاهتزاز منذ لحظتها الأولى.-العائق الثاني يرتبط بالموقف الأميركي. فواشنطن، المنشغلة بإعادة ترتيب أولوياتها الإقليمية والدولية، لا تبدو متحمّسة لتوفير الغطاء السياسي والمالي لمبادرة أوروبية مستقلة في جنوب لبنان. هذا التردد الأميركي يضعف أي محاولة أوروبية للتحرك منفردة، ويعيد التأكيد على أن أي صيغة جديدة تحتاج، لكي تكون قابلة للحياة، إلى توافق دولي أوسع.-أما العائق الثالث، وربما الأشد تعقيدًا، فيكمن في الداخل اللبناني نفسه. لا يزال الانقسام قائمًا حول دور الدولة، وحصرية السلاح، وطبيعة العلاقة مع المجتمع الدولي. وفي ظل غياب رؤية وطنية موحّدة للأمن والدفاع، يصبح من الصعب إقناع الخارج بالاستثمار طويل الأمد في صيغة غير مستقرة سياسيًا.انطلاقًا من ذلك، لا يمكن مقاربة مستقبل «اليونيفيل» بمعزل عن المشهد اللبناني والإقليمي الأوسع. يعكس البحث الأوروبي عن بدائل إدراكًا حقيقيًا لتغيّر قواعد اللعبة، لكنه يبقى ناقصًا ما لم يُستكمل بتفاهم دولي صلب، وضمانات واضحة تمنع الانزلاق نحو فراغ أمني خطير. أما لبنان، فيقف مرة جديدة أمام مفترق طرق حاسم: إما أن يحسن توظيف ما تبقى من دعم دولي لتعزيز مؤسسات الدولة وبناء حدّ أدنى من الاستقرار المستدام، أو أن يواصل إدارة أزماته بمنطق الحد الأدنى، في منطقة لا تحتمل المغامرة ولا الفراغ، حيث أي خطأ في الحساب قد تكون كلفته باهظة على الجميع. Read more














