معركة الإطاحة بقائد الجيش: من ولماذا؟
newsare.net
عبد الله قمح - المدنقصة الغضب والانزعاج من قائد الجيش العماد رودولف هيكل ليست جديدة، بل تعود إلى ما بعد ترقيته إلى رتبة عماد وتعيينه قائداً للجمعركة الإطاحة بقائد الجيش: من ولماذا؟
عبد الله قمح - المدنقصة الغضب والانزعاج من قائد الجيش العماد رودولف هيكل ليست جديدة، بل تعود إلى ما بعد ترقيته إلى رتبة عماد وتعيينه قائداً للجيش، وتحديداً إلى سلسلة اللقاءات التي عقدها مع مسؤولين أجانب، ولا سيما الأميركيين.اجتثاث الحزب من الجيش نظر هؤلاء إلى المشهد اللبناني بعد حرب أيلول – تشرين الثاني 2024 باعتباره مشهداً متبدلاً، يفترض أن يترافق مع تغيير نوعي داخل السلطة بمؤسساتها المدنية والعسكرية.وبحسب هذا المنطق، لم يعد مقبولاً – في نظرهم – وجود شخصيات داخل هذه المؤسسات «يُشتبه بأنها متساهلة أو متعاطفة مع حزب الله». هذا الفهم وصل إلى عدد من الضباط الذين كانت لهم علاقات تنسيق سابقة مع الحزب، فبدأت داخل المؤسسة العسكرية محاولات التفاف وتعديل في الأداء بما يتناسب مع المناخ الجديد.غير أن العماد رودولف هيكل، الذي عيّنه رئيس الجمهورية جوزاف عون، والذي كان يُنظر إليه حتى قبل انتخاب عون رئيساً كأحد الأسماء المطروحة لخلافته في قيادة الجيش، لم يكن من هذا الصنف من الضباط. فقد حافظ على علاقة طبيعية مع حزب الله، كما حافظ في الوقت نفسه على علاقات متوازنة مع باقي القوى.وبعد انتهاء الحرب بكل ما حملته من نتائج، لم يتعامل هيكل مع اللحظة بوصفها لحظة انقلابية، بل كمرحلة احتواء طبيعي لمسار سياسي وأمني معقد. ومن هذا المنطلق تعامل مع الموفدين الأجانب، وخصوصاً الأميركيين، حيث كان – وفق ما ينقل مقربون – صريحاً في مواقفه، لا يخفي اعتراضه على زج الجيش في مواجهة داخلية مع الحزب.هيكل وتقرير مورغان أورتاغوس لهذا السبب تحديداً كتبت الموفدة الأميركية السابقة مورغان أورتاغوس أول تقريرها السلبي عن قائد الجيش اللبناني بعد اجتماعين وُصف الأول جافاً والثاني بارداً. ففي تلك اللقاءات كانت أورتاغوس واضحة في نقل ما يشبه الإملاءات إلى قيادة الجيش بشأن كيفية التعامل مع حزب الله.وكانت واشنطن تتوقع من السلطة السياسية في تلك الفترة اتخاذ قرارات قاسية بحق الحزب وتحويله إلى ما يشبه «تنظيماً خارجاً عن القانون». لذلك، أرادت أورتاغوس من قائد الجيش أن يترجم هذا التوصيف عملياً داخل المؤسسة العسكرية قبل حتى أن يسلك مساره سياسياً، من خلال اعتماد مقاربة تقوم على اعتبار الحزب «عصابة خارجة عن القانون»، والبدء بما سمّي حملة «اجتثاث وتنظيف» داخل الجيش.غير أن هيكل رفض هذا الطرح على نحوٍ قاطع، معتبراً أنه لا يتلقى الأوامر إلا من السلطة السياسية اللبنانية.لاحقاً، عبّرت أورتاغوس عن غضبها في تقرير رفعته إلى إدارتها (يقال أنه لقي انتشاراً واسعاً داخل دوائر الحكم الأميركي)، خلصت فيه إلى أن قائد الجيش الحالي غير قادر – برأيها – على قيادة المؤسسة العسكرية في هذه المرحلة أو «تحريرها من نفوذ الحزب».منذ ذلك الوقت بدأت جوقة سياسية لبنانية – أميركية، تضم سياسيين ومستشارين ونواباً وأعضاء كونغرس من أصول لبنانية في الولايات المتحدة، الترويج لفكرة استبدال قائد الجيش. هذا الكلام طُرح قبل نحو عام، وقد جرى التلميح إليه في أكثر من مناسبة إعلامية.وعندما وصل السفير الأميركي الحالي ميشال عيسى إلى بيروت، لم تتحسن العلاقة مع قيادة الجيش، بل بدأت أكثر توتراً مما كانت عليه في عهد سلفته.زيارة واشنطنتكرّس هذا المناخ مع تحديد موعد لزيارة قائد الجيش إلى واشنطن، ثم إلغاؤه، قبل أن يعاد تحديده بعد تدخل من دولة إقليمية. لكن الموعد الجديد جاء بشروط مختلفة، واقتصر على لقاء عدد محدود من الشخصيات.وقبل توجهه إلى العاصمة الأميركية تلقى هيكل نصائح بإجراء تعديلات في مواقفه لتتلاءم مع طبيعة اللقاءات. فاختار تلطيف بعض المصطلحات من دون تغيير جوهر موقفه.وجاء اللقاء مع السيناتور الأميركي ليندسي غراهام ليعكس طبيعة الأزمة. إذ استقبله غراهام بلباس رياضي، وطرح عليه أسئلة مباشرة حول موقفه من حزب الله قبل أن ينهي الاجتماع بعد دقائق بعد أن استخدم هيكل عبارات وصفت بأنها لطيفة حيال الحزب. وهو الأسلوب نفسه الذي حاول غراهام استخدامه في بيروت خلال لقاءاته مع قائد الجيش لكن بوتيرة أقل حدة. هذه الوقائع كشفت أن القضية مع قائد الجيش تتجاوز مجرد اختلاف حول أداء أو رفض تنفيذ إملاءات.النزاع مع رئيس الحكومةثم جاءت الحرب الجديدة في توقيت حساس، بالتزامن مع قرار مجلس الوزراء مواجهة أنشطة حزب الله العسكرية والأمنية، وتنفيذ القرارات المتعلقة بجنوب الليطاني وشماله.لكن ما فجر التوتر بين قيادة الجيش ورئيس الحكومة نواف سلام كان القرار الصادر في جلسة 2 آذار، والقاضي بحظر الأنشطة العسكرية والأمنية للحزب، مع تكليف الجيش بتنفيذ القرار.هيكل قرأ القرار باعتباره يضع المؤسسة العسكرية في مواجهة مباشرة مع لبنانيين. والأسوأ، برأيه، أن تطبيقه – خصوصاً في جنوب الليطاني – قد يعني ملاحقة ومصادرة أسلحة تعود للمقاومة في وقت تخوض فيه قتالاً مع قوى غازية، ما قد يظهر الجيش في صورة غير صحية، إذ يُفترض به مقاومة الغزو لا الاشتباك مع من يقاتله.الجلسة الحكومية التي بحثت انتشار الجيش شمال الليطاني زادت التعقيد. إذ بدا رئيس الحكومة وكأنه يتصرف انطلاقاً من أفكار مسبقة تجاه الجيش والحزب، وهو ما لم يستسغه قائد الجيش. ودخل الطرفان في ما يشبه مواجهة ناعمة حول حدود دور الجيش وصلاحياته. فالقائد حاول منع السلطة السياسية من التدخل في مسائل عسكرية يعتقد أن المؤسسة العسكرية أدرى بتفاصيلها.وتكرر المشهد على نحوٍ أكثر حدّة في جلسة 2 آذار، حين ظهر رئيس الحكومة – وفق روايات بعض الحاضرين – أكثر حدة في التعاطي مع قائد الجيش، إلى حد مقاطعته ورفع الصوت في وجهه، في محاولة لفرض كيفية استخدام الجيش لصلاحياته.موقف هيكل في اجتماع الأركانما أزعج قائد الجيش أكثر من غيره – وربما دفعه إلى إصدار موقفه الشهير خلال اجتماع قادة الأركان الذي وصف بأنه مهادن في شأن الحزب ويعبر عن «تمرد» على تنفيذ قرارات السلطة السياسية بإشارته إلى أن الحل «ليس عسكرياً وأن الجيش يقف على مسافة واحدة من اللبنانيين كافة ويتعامل معهم انطلاقًا من موقعه الوطني الجامع»- لم يكن فقط الأسلوب الفوقي في التعامل معه، بل أيضاً حجم التدخل الخارجي في شؤون الجيش والإملاءات عليه. ماكرون والزج بالجيش في الأزمةالرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، عندما طرح نفسه وسيطاً بين لبنان وإسرائيل، انطلق في مبادرته من قرار مجلس الوزراء الصادر في 2 آذار، معتبراً أنه الممر الطبيعي لوقف الحرب، عبر تنفيذ الجيش له بالقوة. ويُرجح أن ماكرون ناقش هذه الفكرة مع رئيس الجمهورية جوزاف عون، الذي طلب منه التواصل أيضاً مع رئيس مجلس النواب نبيه بري، باعتبار أن حزب الله هو الطرف المنخرط في القتال.ووفق المعلومات، قال عون لماكرون إن خطوط التواصل مع الحزب مقطوعة منذ إطلاق الصواريخ الأخير. وعندما تواصل ماكرون مع بري، طلب الأخير مهلة يومين أو ثلاثة أيام للتواصل مع الحزب، نظراً لحالة الطوارئ التي يعيشها. وقبل ذلك كان ماكرون قد عرض مقترحه على الأميركيين، الذين لم يبدوا اعتراضاً عليه ما دام يقوم عملياً على وضع الجيش في مواجهة الحزب. لكن الوساطة الفرنسية فشلت في نهاية المطاف وتم تجميدها، لثلاثة أسباب رئيسية:أولاً، عدم رغبة الحزب في التفاوض خارج الميدان.ثانياً، رفض الجيش تنفيذ قرار مجلس الوزراء خلال العدوان.ثالثاً، غياب مناخ سياسي يسمح بالتسوية.إقالة أو استقالة؟هذه العوامل مجتمعة دفعت عدداً من النواب المرتبطين بالبيئة السياسية الأميركية إلى تصعيد الهجوم على قائد الجيش، مستندين إلى بيانه الأخير واتهامه برفض تنفيذ قرار الحكومة.غير أن القضية أعمق من ذلك بكثير. فهي تتصل بصورة الجيش ودوره، وبالصفات المطلوبة في قائده في المرحلة المقبلة. وهي شروط يرى البعض أنها لا تنطبق على رودولف هيكل، ما يدفعهم إلى محاولة إحراجه ودفعه نحو الاستقالة، أو خلق ظروف تؤدي إلى إقالته.ولا يمكن استبعاد تأثير السيناتور الأميركي ليندسي غراهام، الذي ربط – بشكل غير مباشر – مستقبل الدعم الأميركي للجيش بموقف قيادته. في المقابل، يُرجح أن الرئيس جوزاف عون سيرفض أي استقالة يقدمها هيكل. كما أن قائد الجيش نفسه لا يبدو في وارد تقديمها حالياً، خصوصاً بعدما لمس دعماً واضحاً من رئيس الجمهورية خلال لقائهما الأخير.لكن ما يبدو شبه مؤكد أن مرحلة ما بعد الحرب ستفتح معركة سياسية جديدة عنوانها: إزاحة قائد الجيش من موقعه. وهي معركة ستتحدد نتائجها إلى حد بعيد وفق مآلات الحرب الجارية. Read more














