فانس في الواجهة إعلامياً… وغائب عن الطاولة: من يفاوض إيران فعلاً؟ ريتا بستاني
newsare.net
في لحظات التحول الكبرى، لا ترتفع فقط وتيرة التهديدات، بل يتضخم أيضاً الضجيج المحيط بها. ومع تصاعد الحديث الأمريكي عن ضرب منشآت إيرانية، وتمديفانس في الواجهة إعلامياً… وغائب عن الطاولة: من يفاوض إيران فعلاً؟ ريتا بستاني
في لحظات التحول الكبرى، لا ترتفع فقط وتيرة التهديدات، بل يتضخم أيضاً الضجيج المحيط بها. ومع تصاعد الحديث الأمريكي عن ضرب منشآت إيرانية، وتمديد المهَل بشكل متكرر، برزت أسماء في التداول الإعلامي كأنها تمسك بخيوط المشهد، وفي مقدمتها السيناتور جاي دي فانس. غير أن التمعن في بنية القرار الأمريكي يكشف سريعاً أن ما يظهر في العلن ليس بالضرورة ما يُدار في الخفاء.فانس، رغم حضوره السياسي المتصاعد وقربه من دونالد ترامب، لا يشغل موقعاً تنفيذياً يضعه في قلب الملفات الدبلوماسية الحساسة. هو صوت مؤثر داخل التيار الجمهوري، يعكس توجهاً يميل إلى تقليص الانخراط العسكري الخارجي، لكنه لا يملك أدوات التفاوض ولا قنواته. ومع ذلك، فإن طرح اسمه في هذا التوقيت لم يأتِ من فراغ، بل من تقاطع عاملين: غموض يلف الاتصالات الفعلية بين واشنطن وطهران، وحاجة إعلامية دائمة إلى ملء هذا الفراغ بوجوه معروفة.في الواقع، تُدار الملفات من هذا النوع بعيداً عن الأضواء، عبر قنوات تقليدية أثبتت فعاليتها على مدى سنوات. سلطنة عُمان، التي لعبت دوراً محورياً في محطات سابقة، لا تزال مرشحة لتكون إحدى بوابات التواصل الهادئ. قطر أيضاً تحتفظ بموقعها كوسيط قادر على التحرك بين خطوط التوتر، فيما تبقى القنوات الأوروبية حاضرة، إلى جانب مسارات أمنية غير معلنة تُستخدم في المراحل الأكثر حساسية.هذا المسار الهادئ يقابله خطاب علني عالي النبرة. دونالد ترامب يلوّح بالضربة، ثم يؤجلها، ويكرر الحديث عن أن الإيرانيين يسعون إلى التفاوض، في حين تصر طهران على نفي ذلك، وتؤكد أنها لن تدخل أي مسار من موقع ضعف. بين هاتين الروايتين، تتشكل طبقة كثيفة من الحرب النفسية، حيث لا تقل المعركة على الصورة أهمية عن المعركة على الأرض.غير أن قراءة أعمق لهذا التناقض تكشف أن التأجيل لا يعني التراجع، كما أن التصعيد لا يعني بالضرورة قراراً منفصلاً عن مسار قائم بالفعل. بل نحن أمام إدارة دقيقة لإيقاع مواجهة بدأت ميدانياً وسياسياً في آن واحد: ضغط مستمر من جهة، وتمسك بالشروط من جهة أخرى، فيما تتحرك القنوات الخلفية بصمت بحثاً عن مخرج أو إعادة تموضع.في هذا السياق، يصبح تضخيم دور شخصيات مثل فانس جزءاً من المشهد الإعلامي أكثر منه انعكاساً لواقع القرار. فالمسألة لم تعد مرتبطة بأسماء، بل ببنية صراع تتجاوز الأفراد، وتُدار على مستويات متعددة، من العلن إلى الخفاء.لكن ما يجري في المنطقة اليوم لم يعد قابلاً للاختزال في هذا التوازن الهش.لم يعد ممكناً التعامل مع ما يجري بوصفه لعبة توازنات أو جولة ضغط عابرة. المنطقة دخلت فعلياً زمن الحرب، حتى وإن لم تُعلن بعد بصيغتها الكاملة. ما يتشكل ليس احتمالاً، بل مساراً يتقدم بثبات، وتتكشف فصوله تدريجياً على وقع التصعيد الميداني والتصريحات المتقابلة.من الخليج إلى طهران، ومن تل أبيب إلى العواصم الكبرى، تتجمع عناصر مواجهة لم تعرفها المنطقة بهذا الوضوح منذ عقود، أي منذ حرب الخليج الأولى في أواخر الثمانينات حين خاض صدام حسين حربه ضد إيران، في وقت لم تكن فيه دول الخليج قد دخلت بشكل مباشر في المواجهة كما تبدو ملامحه اليوم. لم تعد الخطوط الفاصلة قائمة كما كانت، ولم يعد ممكناً احتواء النار ضمن حدود جغرافية ضيقة. إنها حرب تتجاوز ساحاتها المباشرة، وتتغذى من تداخل إقليمي ودولي يفتح الباب أمام سيناريوهات أكثر اتساعاً وخطورة.وإذا كان البعض لا يزال يراهن على مهَل تُمدد أو رسائل تُمرر في الغرف المغلقة، فإن الوقائع على الأرض تقول شيئاً أكثر وضوحاً: نحن لم نعد على أعتاب الحرب، بل في قلبها، حتى وإن اختلفت أشكالها وحدودها الظاهرة. أما ما يُقال عن مفاوضات أو وساطات، فليس إلا إيقاعاً موازياً لمسار يتقدم، لا لإيقافه، بل لتنظيمه أو تأجيل ذروته.في هذا المشهد، تتراجع الأسماء وتبقى الحقائق. لا فانس ولا غيره يملك مفتاح اللحظة. ما يُرسم اليوم يتجاوز الأفراد، ويقترب من إعادة تشكيل توازنات المنطقة بأكملها.إنها ليست أزمة عابرة، ولا جولة يمكن احتواؤها. إنها بداية مرحلة، عنوانها الأوضح: حرب تُكتب فصولها الآن… وقد لا تنتهي عند حدود هذه المنطقة. Read more














