بحر الشمال اللبناني: بين الانهيار المعيشي ومجازر الديناميت الصامتة (الخبر)
newsare.net
كثّف الانهيار الاقتصادي في لبنان من ظاهرة الصيد غير القانوني بالديناميت على طول الساحل الشمالي، وبات محركاً رئيسياً يدفع الصيادين نحو أساليبحر الشمال اللبناني: بين الانهيار المعيشي ومجازر الديناميت الصامتة (الخبر)
كثّف الانهيار الاقتصادي في لبنان من ظاهرة الصيد غير القانوني بالديناميت على طول الساحل الشمالي، وبات محركاً رئيسياً يدفع الصيادين نحو أساليب مدمرة تتوفر بسهولة وتتميز بقلة تكلفتها في ظل ظروف الفقر المدقع. ومع انهيار المداخيل وتزايد صعوبة تحمّل تكاليف الوقود والمعدات وعمليات الصيد القانونية، برزت نترات الأمونيوم — المتاحة على نطاق واسع، والرخيصة نسبياً، والتي يسهل تطويعها لاستخدامات أخرى — كأداة بديلة لتعظيم كميات الصيد على المدى القصير. وتجعلها تكلفتها المنخفضة، لا سيما مقارنة بالتكاليف المتصاعدة للصيد التقليدي، خياراً جاذباً للصيادين الذين يكافحون من أجل البقاء في ظل اقتصاد تدهورت قيمته. وفي الوقت ذاته، يسهم تآكل قدرات الدولة وغياب إنفاذ القانون الفعال في السماح بتداول هذه المواد بأقل قدر من الرقابة. وقد أدى هذا الالتقاء بين الضائقة الاقتصادية والمدخلات الرخيصة سهلة التطويع إلى جعل استخدام المتفجرات المرتجلة أمراً مألوفاً، مما دمج الصيد بالديناميت في إطار اقتصاد غير رسمي أوسع تشكل ملامحه الأزمة الحالية. والنتيجة هي منظومة تحقق مكاسب مالية فورية على حساب الاستدامة البيئية طويلة الأجل، مما يهدد بانهيار القطاع بأكمله.فيديو لتفجير ديناميتلتفكيك ميكانيكية هذه الكارثة، يعالج هذا التقرير الاستقصائي الجريمة البيئية عبر خمسة مسارات تشريحية متداخلة تنتهي بخلاصات بنيوية تعزز مخرجات الأزمة:أولاً: التشريح الجنائي للكيمياء.. عسكرة الأسمدة الزراعيةيكشف الواقع الميداني في مرافئ لبنان عن عملية عسكرة واضحة للأسمدة المدنية؛ فمادة “نترات الأمونيوم” المستوردة زراعياً لإحياء التربة، يُعاد تطويعها في الأعماق كقنابل بحرية مدمرة. وتصل هذه المواد إلى الصيادين عبر طرق مهربة وملتوية وبأسعار بخسة نسبياً، لا عبر قنوات قانونية واضحة، ما يجعلها في متناول شبكات الصيد غير المشروع. وفي كثير من الحالات، لا تتجاوز كلفة العبوة الواحدة نحو 300 دولار لدى الصياد المحترف في هذا النوع من الصيد، وهو ما يعزز جاذبية هذه الممارسة في ظل الفقر والانهيار. كما تعتمد هذه الشبكات على دوائر من الوسطاء ومسارات متحركة وامتدادات بحرية تُربك المراقبة، فتتحول عملية التفجير إلى فعل خاطف يستهلك دقائق معدودة ويضيع معه أثر الفاعلين على القوى الأمنية.وتتأكد هذه العلاقة بالنظر إلى البنية الكيميائية للمادة؛ إذ لا يفصل بين السماد الزراعي المستقر والسلاح الفتاك سوى ثلاث درجات مخبرية من التركيز، حيث يبلغ تركيز المادة المخصصة للزراعة 33% وأقل، بينما يتطلب التحول العسكري تركيزاً يتجاوز 36%..ويوضح الأستاذ الكيميائي البروفيسور حارث سليمان أن نترات الأمونيوم مادة مستقرة نسبياً لا تنفجر تلقائياً، بل تتطلب صدمة حرارية وحركية عنيفة تُعرف بـ”التفجير بالعدوى”. ولتوليد هذا الانفجار في الماء، يستعين الصيادون بـ”مُعزز” أو وسيط شديد الانفجار وصغير الحجم مثل الـTNT لإطلاق شحنة الانفجار الكبرى.إلا أن العائق التقني الأكبر أمام المخالفين يكمن في تأمين “الصاعق” (الكبسونة)، وهنا تبرز متلازمة الرقابة وجنون السوق السوداء؛ فكلما ضيّقت الدولة الخناق على المعابر والكسارات، أو اشتدت الحرب أيضاً، قفز سعر الصاعق في السوق الموازية من دولارين إلى 600 دولار. وبدلاً من أن تؤدي الندرة للردع، تحول هذا الارتفاع القياسي إلى محفز مالي مغرٍ لشبكات تهريب منظمة تشتري الصواعق الفائضة من الكسارات المرخصة في الجنوب اللبناني لتباع بأسعار مضاعفة في موانئ الشمال تعويضاً عن المخاطر الأمنية والجغرافية.ثانياً: تفكيك هندسة “الحطّات”.. جغرافيا ومورفولوجيا الملاذات المفخخةتحولت “الحطّات”، وهي شعب اصطناعية عشوائية لتجميع الأسماك وتفجيرها، من فكرة بدائية نشأت إبان فوضى الحرب الأهلية وغياب الدولة — حين ألقى الصيادون هياكل السيارات والبرادات التالفة لخلق ملاذات للسمك — إلى هندسة لوجستية تخضع لاعتبارات أمنية وجغرافية دقيقة. وتختلف تكتيكات بناء هذه الحطات حسب الجغرافيا والقدرة اللوجستية والمراقبة الأمنية؛ فبينما تشيع في مناطق بيروت وجبل لبنان والجنوب — وتحديداً في خلدة، والدامور، والجناح، والأوزاعي — “حطات الفلين الأبيض” لخفتها وسهولة إخفائها عن أعين الدوريات، يعتمد صيادو موانئ الشمال بالمقابل على هياكل السيارات والخردة لبناء حطات ثقيلة ومستدامة.وينقل الغواص علي مقداد هندسة حطات الفلين التي تتكون من حبل أساسي قاعي ثقيل يُدعى “الحبل الثخين” يثبّت بأثقال صخرية ضخمة تسمى “التقّالات”، وتُربط به أكياس معبأة بالفلين تطفو عمودياً لتبدو كأنها تطير في الماء، وهو خيار رخيص يسهل طيه وإخفاؤه في المراكب تفادياً للتفتيش. وفي الشمال، يشتري الصيادون الهياكل التالفة بأسعار تتراوح بين 40 و100 دولار للسيارة الواحدة مع إطارات مستعملة رخيصة، ويقومون بإغراقها لتتحول إلى جزر حديدية في القاع ومثالية للأسماك الأرضية كـ”اللقس”، رغم تجنب البعض لها لصعوبة نقل هيكل سيارة كامل على قارب والمخاطرة الأمنية الكبرى. وفي طرابلس، يستعين صياد معروف بـ”قسطا” بنظام تحديد المواقع (GPS) لضبط إحداثيات حطاته بدقة لئلا تضيع كلفته المرتفعة، موجهاً غواصيه لجني الغلة سريعاً عقب التفجير.وفي هذه البيئات المبتكرة، يميّز مقداد بين كائنات بحرية متنوعة؛ أولها الأسماك الوسطية المستهدفة كالجرو والتاريخون والجراوي الموسمية التي تعبر بأسراب كبيرة وتجتذبها ألوان الفلين لتتغذى على الطحالب والسردين، وتتميز بوفرتها وسعرها المتوسط وصلاحيتها لكافة طرق الطهي. وثانيها الأسماك الأرضية كالسلطان إبراهيم واللقس التي تستوطن القاع باحثة عن مخابئ طبيعية وتتأخر كثيراً في العودة للموقع بعد التفجير. أما الصنف الثالث فيتمثل في الأسماك العائمة المكملة للمنظومة البحرية.وقد رصد مقداد تفاعلات هذه الأحياء مع الحطات عبر خط زمني بيولوجي دقيق؛ فالطحالب تنمو كعشب خفيف يشبه “البرغل” خلال أسبوع واحد من التفجير، ثم تتسع بعد شهر لتلتصق بقوة، وتتحول بعد ستة أشهر لأصداف بحجم “الحمص” تجذب الأسماك باستمرار، مما يجعل هياكل السيارات مستقراً للأسماك الأرضية الثمينة كـ”اللقس”، رغم تفضيل حطات الفلين لدواعٍ أمنية ولوجستية. وبمرور الوقت، تنقلب الوظيفة الإيكولوجية لهذه الشعب (المصممة علمياً كبيئة للتكاثر والتغذية) بفعل ديناميت الصيادين لتصبح كمائن موت ومقابر جماعية. وتشير الأدبيات إلى أن الصيد المتفجر يدمّر الموائل البحرية ويؤخر التعافي الطبيعي، بينما قد تتحول الشعاب الاصطناعية غير المدروسة إلى أدوات لجمع الأسماك بدل دعم الإنتاج البيولوجي، بما يفتح المجال أمام الأنواع الانتهازية وغير المرغوبة، ومنها النفيخة وقناديل البحر.ثالثاً: لوجستيات التنفيذ والتمويه تحت المائيوتبدأ ميكانيكية القتل والتمويه تحت الماء بسلسلة خطوات متتابعة؛ حيث يعمد المخالفون أولاً إلى معايرة فتيل التفجير بدقة لتنفجر العبوة في منتصف المجرى المائي على عمق محدد، وذلك تلافياً لتدمير الحطة نفسها والخردة التي كبدت الصياد تكاليف طائلة إذا ما استقرت العبوة في القاع. وفور إشعال الفتيل، ينطلق الصياد بزورقه بأقصى سرعة — كما يفعل صياد يُدعى “سيف” — مستعيناً بمحرك قوي يصل إلى 50 حصاناً للابتعاد مسافة آمنة من موجة الضغط العنيفة، لينفجر الديناميت في غضون دقيقة واحدة.وعقب الانفجار مباشرة، يقفل القارب عائداً للموقع ليرسل غواصين اثنين أو ثلاثة بسرعة لجمع الأسماك الصريمة التي سقطت في القاع ولم تطفُ على السطح، مستخدمين تقنية “الكومبريسور”، وهي مضخة هواء مثبتة على القارب فوق الماء تمد خراطيم هواء طويلة “نباريش” مباشرة إلى فم الغواص للتنفس دون أسطوانات أكسجين، مما يتيح لهم البقاء لساعات لجمع الأسماك بسرعة قبل جرف التيارات المائية لها أو وصول دوريات الجيش اللبناني.وترافق استخدام “الكومبريسور” مخاطر صحية مميتة؛ حيث يوضح الدكتور شادي مهنا من وزارة الزراعة أن هذه التقنية ممنوعة قانوناً، وتسبب حوادث مميتة وتلفاً رئوياً حاداً ناتجاً عن تنشق الزيوت المحترقة المنبعثة من المضخة، فضلاً عن خطر التعرض لشلل “العفصونة” الناتج عن صعود الغواص السريع دون موازنة الضغط المحيط بجسده. وللهرب من ملاحقة مخابرات الجيش وحرس الحدود، يبتكر الصيادون تكتيكات تمويه تشمل طلاء أسطوانات الكومبريسور بمواد مقاومة للصدأ وإغلاق خراطيم الهواء بسدادات تمنع دخول الماء إليها لرميها مؤقتاً في عرض البحر عند التفتيش.رابعاً: الإيكولوجيا السياسية ومصالح المرافئ.. شبكات النفوذ وغسل الأيدييكشف الواقع اللبناني عن تلازم حتمي بين الانهيار المعيشي وتصاعد العنف البيئي؛ فالفقر المدقع والاضطرار لتأمين قوت اليوم يحوّلان الصياد إلى أداة تدمير للبيئة في ظل غياب الدولة. وعلمياً، يتقاطع هذا السلوك مع أدبيات “الإيكولوجيا السياسية” (Political Ecology)، وتحديداً أطروحات الباحث مايكل واتس (Michael Watts) في دراسته “Fractured Worlds: Poverty, Violence, and Environmental Destruction” (2014)؛ حيث يشرح كيف يسلب الفقر المدقع من الأفراد القدرة على التفكير في الغد، فيصبح النجاة الفوري هو الغاية الوحيدة. وهو ما يؤكده تقرير البنك الدولي لعام 2021 حول “مصايد الأسماك الصغيرة في المناطق الهشة”؛ إذ يدفع العوز الصياد للاستغلال المفرط الفوري للموارد، مستغلاً غياب الرقابة الإدارية لبناء اقتصاد غير قانوني تحميه شبكات سياسية مصلحية.وينعكس هذا التحليل ميدانياً في تداخل الجغرافيا والطائفة والنفوذ السياسي في إدارة السواحل اللبنانية، مفرغاً القوانين البالية الصادرة عام 1926 من قوتها الردعية؛ إذ تبرز استنسابية جغرافية واضحة تشهد فيها مياه الجنوب انضباطاً صارماً تفرضه بيئة سياسية محلية تمنع الفوضى وتطرد المراكب الغريبة بالقوة، بينما تعم الفوضى المطلقة مياه الشمال لغياب المراقبة وتفشي الوساطات. وفي غضون ذلك، يخضع سوق الكرنتينا المركزي ببيروت لنفوذ جهة سياسية ترتبط برئاسة البرلمان، المسيطرة أيضاً على وزارة الزراعة ضعيفة الإمكانيات، مما يوضح أين تكمن المصلحة في ترك الفوضى مستشرية في البحر. ويترافق هذا التمييز الجغرافي مع حالة من التهرب المنظم من المسؤولية وتداخل الصلاحيات بين وزارات النقل، والزراعة، وقوى الأمن، والجيش في منطقة رمادية مائعة تتيح لكل جهة إلقاء المسؤولية على الأخرى. ويشير مدير مرفأ طرابلس، أحمد تامر، إلى أن إدارته ترخص حركة المراكب فقط، بينما يشرف قطاع النقل البري والبحري على حوض الصيادين، وتتولى القوات البحرية للجيش الرقابة الأمنية، كاشفاً أن إدارة المرفأ زودت القوى الأمنية ومخابرات الجيش بنظام مراقبة يضم 130 كاميرا، غير أن مخرجات هذا الرصد تصطدم بتدخلات سياسية تفضي لإطلاق سراح المخالفين الـ33 المعروفين بالاسم في الشمال.وتكتمل هذه الدائرة بـ”الرعاية الانتخابية” التي تحمي الصيادين كخزان انتخابي حيوي؛ لتنتهي التوقيفات باتصالات فوقية ورشى مالية تحول الجنايات البيئية إلى جنح بسيطة عابرة. وفي هذا الإطار، يؤكد الدكتور عماد سعود أن الأزمة ليست علمية بل تكمن في غياب الإرادة والقرار السياسي الصارم، وهو ما يؤيده الدكتور شادي مهنا بتأكيده أن ضبط المخالفين المعروفين بالاسم متاح وبسيط داخل المرافئ المراقبة عسكرياً، متى ما توافر القرار الأمني الصارم بسجن المتورطين بدلاً من التذرع بنقص الموارد. ويبيّن سعود خطورة الجريمة بيئياً؛ فالبحر اللبناني يُصنف علمياً بأنه “فقير جداً بالمواد المغذية” (Ultra-oligotrophic) لعمقه السحيق بعد الشاطئ مباشرة وافتقاره لمصبات أنهار كبرى، مما يجعل عصف الانفجار يقضي على الكائنات كافة في محيطه محولاً المنطقة إلى حيز ميت تماماً.وتبرز هنا متلازمة “الربح العابر والإفلاس البيئي المستقبلي”؛ فالتدمير اللحظي لليرقات يحرم القطاع من ثروته مستقبلاً، ليتحول كسب اليوم إلى تصحر وجفاف يغذي انتشار سمكة “النفيخة”. ويلفت سعود إلى أن الديناميت شريك في جريمة تراجع كائنات كـ”التوتيا” أو أسماك “سلطان إبراهيم” إلى جانب الصيد الجائر وتجريف القاع وظاهرة “الترسب الوحلي” الناتج عن ورش البناء والكسارات، ناهيك عن تدمير الأعشاب بشِباك الجر القاعي. ومع ذلك، تلعب التيارات البحرية من الجنوب إلى الشمال دوراً في نقل اليرقات للمواقع المتضررة، مما يمكن البيئة من استعادة عافيتها خلال عامين في حال فُرِض وقف تام لكافة أشكال الصيد غير القانوني.خامساً: بروتوكول الإنقاذ وصيغة الستة أشهروتؤكد المعطيات العلمية واللوجستية أن انتشال قطاع الصيد من خطر الانهيار التام متاح وممكن في غضون 6 أشهر فقط، عبر تطبيق خريطة طريق متكاملة ترتكز أولاً على مكافحة تهريب الصواعق وتتبع حصص الكسارات لمنع تسربها للسوق السوداء وإغلاق منبع الجريمة الأساسي، بالتوازي مع تحديث التشريعات البالية لتغليظ العقوبات القضائية لمنع التسويات والوساطات السياسية، ومصادرة المراكب المخالفة نهائياً، وشطب رخص البحارة المتورطين. كما يتطلب المسار حظراً عاجلاً لمضخات الكومبريسور العشوائية والاعتماد الحصري والآمن على أسطوانات الأكسجين المعتمدة عالمياً لضمان سلامة الغواصين وتجنيبهم مخاطر التلف الرئوي والشلل الجسدي.ولا تكتمل هذه الحلول إلا بتبني نموذج الشراكة المحلية والإدارة التشاركية الناجحة التي أثبتت جدواها في محمية صور البحرية؛ حيث يوضح الباحث البيئي علي بدر الدين أن فرض القوانين هناك لم يكن فوقياً، بل جاء ثمرة حوار مشترك ومستمر امتد لسنتين مع نقابات الصيادين وإشراكهم في اتخاذ القرار حتى تحقق الالتزام الطوعي بالقانون وقناعتهم الكاملة بحماية موائلهم البحرية التي يعتاشون منها.سادساً: خاتمة واستنتاجات.. حلقة التدمير الذاتي المفرغةتُفضي هذه القراءة التشريحية العميقة لأزمة الصيد بالمتفجرات في لبنان إلى استنتاجات بنيوية تعزز وتدعم ما ذهبت إليه المقدمة حول العلاقة العضوية بين الانهيار المالي والخراب الإيكولوجي. أولى هذه الخلاصات تتمثل في نشوء «حلقة التدمير الذاتي المفرغة»؛ حيث يدفع شلل الاقتصاد بالصياد نحو استنزاف الرصيد البيولوجي للأعماق لتأمين فرج مالي فوري، مما يؤدي طردياً إلى إفقار البحر وتصحر المواسم المقبلة، ليعود الصياد سريعاً إلى نقطة الصفر بفقر أشد وعوز أكبر، ويتحول تكتيك البقاء الآني إلى استراتيجية فناء جماعي مؤجل للقطاع بأكمله.والاستنتاج الثاني يكمن في «مأسسة الإفلات من العقاب كدعم مالي للجريمة»؛ إذ إن عجز الدولة وتواطؤ المنظومة الطائفية لحماية شبكاتها الانتخابية يعمل بمثابة “دعم مالي غير مباشر” لخفض كلفة الصيد بالديناميت ومخاطره الأمنية والقضائية، في مقابل الارتفاع الجنوني والمستمر لكلفة الصيد التقليدي الشرعي. هذا التباين البنيوي حوّل الخيار المدمر من مجرد ممارسة عابرة إلى خيار عقلاني وحيد للصياد المكافح وسط اقتصاد منهار القيمة، مما يعزز دمج الصيد غير القانوني في صلب الاقتصاد المأزوم تغير بالكامل بفعل الأزمة.أخيراً، يثبت الواقع الميداني أن «الأمن البيئي جزء لا يتجزأ من الأمن القومي والتعافي الاقتصادي»؛ فعسكرة المواد المدنية كنترات الأمونيوم وتداول الصواعق المهربة في ظل غياب السيادة يبرهن على أن تصحر الأعماق ليس شأناً بيئياً معزولاً، بل هو انعكاس وتجسيد لتفكك مفاصل الدولة. ومن ثمّ، فإن بروتوكول الإنقاذ المقترح لستة أشهر ليس مجرد إجراء تنظيمي، بل هو خطوة أولى وحتمية لاستعادة هيبة القانون وحماية ما تبقى من ثروات مائية وطنية مشتركة، تضع حداً لسياسات التراخي والوساطات التي تخدم في النهاية قلة من النخبة السياسية المستفيدة من احتكار الاستيراد وانهيار الإنتاج المحلي المستدام. Read more














