اتفاق الإطار... هل تسمح المصالح بقيام السلام؟ ألكسندر نعمه
newsare.net
«في السياسة، تُوقَّع الاتفاقات عندما تتوافر الإرادة، لكنها لا تنجح إلا عندما تتقاطع المصالح.»قد تبدو هذه العبارة بديهية، لكنها تختصر مساتفاق الإطار... هل تسمح المصالح بقيام السلام؟ ألكسندر نعمه
«في السياسة، تُوقَّع الاتفاقات عندما تتوافر الإرادة، لكنها لا تنجح إلا عندما تتقاطع المصالح.»قد تبدو هذه العبارة بديهية، لكنها تختصر مسار معظم النزاعات الدولية، حيث لا يكفي أن يجلس الخصوم إلى طاولة المفاوضات، ولا أن يوقعوا اتفاقًا، حتى يصبح السلام واقعًا. فالسلام ليس مجرد نصوص قانونية، بل هو نتيجة اقتناع الأطراف بأن مصالحها أصبحت تُصان بالحوار أكثر مما تُصان بالصراع.من هنا، لا يبدو السؤال الحقيقي بعد توقيع اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل هو: ماذا ينص الاتفاق؟ بلهل أصبحت المصالح التي تحكم سلوك الأطراف تسمح فعلًا بقيام السلام؟فبعد مرور أسابيع على إعلان الاتفاق، لم تظهر حتى الآن مؤشرات جدية توحي بأن المنطقة دخلت مرحلة جديدة من الاستقرار. وما زالت الوقائع الميدانية والسياسية تطرح علامات استفهام حول قدرة هذا الاتفاق على الانتقال من الورق إلى الواقع. ولعل السبب أن الاتفاقات، مهما بلغت دقتها، لا تستطيع أن تتجاوز الحسابات الاستراتيجية للدول.بعد هجوم السابع من تشرين الأول، لم تتعامل إسرائيل مع ما جرى كحادث أمني محدود، بل اعتبرته تحولًا استراتيجيًا في بيئتها الأمنية، وأطلقت حربًا واسعة أعادت من خلالها رسم أولوياتها العسكرية والسياسية.ومن هنا يبرز السؤال:إذا كانت إسرائيل لا تزال ترى أن أمنها يتطلب إزالة مصادر التهديد بصورة كاملة، فهل تعتبر اتفاق الإطار نهاية للصراع، أم مجرد محطة ضمن مسار أوسع لتحقيق أهدافها الأمنية؟وفي المقابل، يصعب تجاهل حقيقة أخرى لا تقل أهمية.فمنذ مطلع ثمانينيات القرن الماضي، استثمرت إيران في بناء نفوذ إقليمي متكامل، لم يقتصر على الدعم العسكري، بل شمل العقيدة والتنظيم والتمويل والإعلام والتدريب وبناء الكوادر. وكان حزب الله اللبناني أحد أبرز مرتكزات هذه الاستراتيجية.وهنا أيضًا يفرض سؤال نفسه:هل يمكن لدولة استثمرت أربعة عقود في بناء هذا النفوذ أن تعيد النظر فيه بمجرد توقيع اتفاق يتعلق بلبنان؟ أم أن أي تغيير في هذا المسار يحتاج أولًا إلى تغيرات أوسع في موازين القوى الإقليمية وفي طبيعة التسويات الكبرى؟ليست هذه الأسئلة سوى محاولة لتغير مسار نظرنا حول الاحداث، ولفهم منطق العلاقات الدولية، حيث تتحرك الدول وفق مصالحها، لا وفق الأمنيات. ولهذا، فإن نجاح أي اتفاق لا يقاس بجودة صياغته، بل بمدى انسجامه مع المصالح الاستراتيجية للأطراف المعنية.ولعل التجارب التاريخية تقدم أفضل دليل على ذلك. فالاتفاقات التي غيّرت مسار الصراعات لم تنجح لأنها وُقّعت، بل لأنها جاءت في لحظة اقتنعت فيها الأطراف بأن كلفة استمرار الصراع أصبحت أعلى من كلفة السلام. فكامب ديفيد لم تكن مجرد اتفاق بين مصر وإسرائيل، بل كانت ثمرة مراجعة عميقة لحسابات الحرب لدى الطرفين. واتفاق الجمعة العظيمة في إيرلندا الشمالية لم ينهِ عقودًا من العنف بمجرد التوقيع، بل لأنه عكس قناعة متنامية بأن الحل السياسي أصبح أكثر جدوى من استمرار المواجهة. وحتى المصالحة الفرنسية الألمانية بعد الحرب العالمية الثانية، لم تُبنَ على حسن النيات وحده، بل على إدراك مشترك بأن مستقبل أوروبا لا يمكن أن يستمر رهينة الحروب، وأن التعاون أصبح أكثر فائدة من الصراع. وفي جميع هذه التجارب، لم تكن الاتفاقات هي التي صنعت المصالح، بل كانت المصالح الجديدة هي التي منحت الاتفاقات فرصة النجاح.من هنا، وبما أنَّ مصالح الأطراف الإقليمية ما زالت متعارضة لا بل مختلفة استراتيجيًا، فإن الاتفاق قد يخفف ظرفيًا من حدة التوتر، لكنه لن يكون كافيًا لبناء سلام مستدام.التركيز على إسرائيل وإيران كعناصر أساسية في الصراع اللبناني، على أهميته، لا ينبغي أن يحجب السؤال الذي يخصنا نحن اللبنانيين.فمنذ عقود، اعتدنا أن نربط مستقبل لبنان بقرارات الآخرين. نسأل ماذا تريد إسرائيل، وماذا تخطط إيران، وماذا سيقرر المجتمع الدولي، وكأن مصيرنا يتحدد دائمًا خارج حدودنا.لكن السؤال الذي تأخرنا كثيرًا في طرحه هو:ماذا يريد لبنان؟هل يريد أن يبقى ساحة تتقاطع فيها المشاريع الإقليمية، أم يريد أن يكون دولة تمتلك قرارها الوطني، وتبني علاقاتها الخارجية انطلاقًا من مصالحها هي؟لقد علمتنا التجارب أن الدول القوية لا تبني استقرارها على حسن نيات الآخرين، بل على قوة مؤسساتها، ووحدة قرارها، وقدرتها على حماية سيادتها وإدارة مصالحها.أما الدول التي تتحول إلى ساحات، فإنها تبقى رهينة التوازنات الخارجية، مهما تعددت الاتفاقات أو تبدلت التحالفات.ولذلك، فإن اتفاق الإطار، على واقعه، لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره نهاية الطريق، بل بدايته. فهو قد يفتح نافذة للحوار، لكنه لا يستطيع وحده أن يغيّر الحسابات الاستراتيجية لدول بنت سياساتها على مدى عقود، ولا أن يعالج، بمفرده، هشاشة الدولة اللبنانية أو تعقيدات الإقليم.وربما لهذا السبب، لا أجد أن السؤال الأهم اليوم هو: هل إسرائيل جاهزة للسلام؟ وهل إيران مستعدة للتخلي عن استثماراتها؟ بل أجد أن السؤال الأعمق هو:هل أصبحت مصالح الأطراف تسمح بقيام السلام؟فإذا كان الجواب نعم، فإن اتفاق الإطار قد يتحول إلى نقطة انطلاق نحو استقرار طويل الأمد. أما إذا بقيت المصالح على حالها، فإن الاتفاق سيظل، مهما كانت أهميته، مجرد هدنة سياسية تنتظر اختبارًا جديدًا.ويبقى للبنان سؤال لا يستطيع أحد أن يجيب عنه نيابة عنه:هل نريد أن نبقى ننتظر تبدّل مصالح الآخرين، أم آن الأوان لأن نبني دولة تجعل السلام مصلحة لبنانية قبل أن يكون نتيجة لتفاهمات إقليمية؟ Read more














