العفو العام: إنصافٌ للمظلومين لا انتصارٌ للطوائف - المحامي عماد مارسيل جعارة
newsare.net
أقرّ مجلس النواب قانون العفو العام. ومهما اختلفنا حول مواده وتفاصيله، لا يمكن لأحد أن ينكر أن في السجون اللبنانية موقوفين وملاحقين ومحكومين طالعفو العام: إنصافٌ للمظلومين لا انتصارٌ للطوائف - المحامي عماد مارسيل جعارة
أقرّ مجلس النواب قانون العفو العام. ومهما اختلفنا حول مواده وتفاصيله، لا يمكن لأحد أن ينكر أن في السجون اللبنانية موقوفين وملاحقين ومحكومين طال انتظارهم للعدالة، وأن واقع السجون في لبنان بات وصمةً على جبين الدولة، بعدما تحولت أماكن التوقيف والاحتجاز إلى مساحات لا تليق بكرامة الإنسان، ولا حتى بما يمكن أن يقبله الضمير تجاه الحيوان.هناك موقوفون أمضوا سنوات خلف القضبان من دون محاكمة نهائية، وهناك عائلات أنهكها الانتظار، وهناك أشخاص قد يكونون أخطأوا ويستحقون العقاب، لكنهم يستحقون قبل كل شيء محاكمة عادلة وفي مهلة معقولة. فالسجن ليس بديلاً عن القضاء، والتوقيف الاحتياطي ليس عقوبة مسبقة.من هنا، فإن العفو عن كل من يستحقه، ولا سيما من طال توقيفه أو كانت الأفعال المنسوبة إليه من الجرائم التي قرر المشترع شمولها بالعفو، يمكن أن يكون خطوة إنسانية وقانونية ضرورية لمعالجة ظلم متراكم واكتظاظ خانق. والعفو العام، بطبيعته، هو عمل تشريعي يزيل الصفة الجرمية عن أفعال معينة ضمن الحدود التي يحددها القانون.لكن العفو شيء، وتحويل العفو إلى مواجهة طائفية شيء آخر تماماً.المخزي وغير المقبول أن يتحول نقاش قانوني وتشريعي إلى معركة توحي وكأن الجيش اللبناني في مواجهة مع طائفة لبنانية بأكملها.الجيش ليس جيش طائفة، والسنة ليسوا طائفة الجيش المقابلة، كما أن أي موقوف أو مطلوب لا يجوز اختزاله بهويته الطائفية. الجيش مؤسسة وطنية، وشهداؤه شهداء لبنان جميعاً، ودماؤهم ليست ملكاً لطائفة أو حزب أو تيار.ولهذا تحديداً، كان من حق وزير الدفاع أن يعبّر عن التحفظات المرتبطة بوزارته وبالمؤسسة العسكرية، وأن يسمع مجلس النواب موقف الوزارة من مواد تمسّ، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، حقوق المؤسسة العسكرية وشهدائها.إن منع وزير من التعبير عن موقف وزارته أمام مجلس النواب يطرح سؤالاً دستورياً وسياسياً جدياً.فالدستور، بعد الطائف، لم يجعل رئيس مجلس الوزراء «رئيس الوزراء» بالمعنى الهرمي الذي يجعل الوزراء موظفين تابعين له. المادة 64 تقول إن رئيس مجلس الوزراء رئيس الحكومة، يمثلها ويتكلم باسمها، ومسؤول عن تنفيذ السياسة العامة التي يضعها مجلس الوزراء. أما المادة 66 فتقول بوضوح إن الوزراء يتولون إدارة مصالح الدولة، كلٌّ في ما يتعلق بالأمور العائدة إلى إدارته. كما أن السلطة الإجرائية أناطها الدستور بمجلس الوزراء، لا بشخص رئيس مجلس الوزراء.وهذه ليست مسألة شكلية.اتفاق الطائف قام، في جوهره، على الانتقال من منطق الشخص الواحد إلى منطق مجلس الوزراء مجتمعاً، وعلى توزيع الصلاحيات ومنع احتكار القرار التنفيذي من أي طرف منفرد.لذلك، فإن الخلاف بين رئيس الحكومة ووزير الدفاع لا يجوز أن يتحول إلى إسكات للوزير، ولا يجوز أن يُقدَّم للرأي العام على أنه صراع بين «الجيش» و«السنة».إذا كان هناك خلاف، فليكن داخل المؤسسات، وبالحجة الدستورية والقانونية، لا عبر اللعب على الوتر الطائفي.نعم للعفو حيث يكون العفو عدالة.نعم لإنقاذ المظلومين من سجون لا تليق بالإنسان.نعم لإنهاء سنوات التوقيف من دون محاكمة.نعم لتفعيل القضاء القصر. نعم لإعادة الاعتبار إلى القضاء والمحاكمة العادلة.لكن في المقابل:لا لعفو يتحول إلى إفلات من العقاب.لا لعفو عن قتلة العسكريين إذا كانت النصوص قد شملتهم. حيث لم يتم حتى اللحظة نشر القانون الذي تم إقراره.لا لتجار المخدرات الكبار والمنظمين الذين يحولون المخدرات إلى تجارة تدمّر جيلاً كاملاً.ولا لعفو يُفهم منه أن دماء شهداء الجيش أرخص من الحسابات السياسية.فالعدالة لا تكون بالانتقام، كما أنها لا تكون بتبرئة الجميع.ومن حق أهالي شهداء الجيش أن يسألوا: ماذا عن دماء أبنائنا؟ ومن حق أهالي الموقوفين أن يسألوا: متى ستتم محاكمة أبنائنا؟ ومن حق اللبنانيين جميعاً أن يسألوا: هل نحن أمام دولة قانون، أم أمام دولة تسويات؟هذه الأسئلة ليست طائفية.الطائفية هي أن نحول العدالة إلى صراع بين الطوائف.أما الدولة، فهي أن تحمي الموقوف من الظلم، وتحمي العسكري من القتل، وتحمي المجتمع من المجرم، وتحمي الجميع من الاستنساب السياسي.مبروك لكل من استحق العفو، ومبروك لكل أم ستستعيد ابنها بعد سنوات من الانتظار، ومبروك لكل مظلوم خرج من سجن لم يكن يجب أن يبقى فيه.ولكن في الوقت نفسه، الله يعين اللبنانيين إذا كان هذا العفو قد فتح باباً للإفلات من العقاب أمام قتلة الجيش وكبار تجار المخدرات والجريمة المنظمة.فالحرية ليست نقيض الدولة، والعفو ليس نقيض العدالة، لكن العفو الذي يهدم هيبة الدولة ولا يميز بين المظلوم والخطير قد يتحول من معالجة لظلم قديم إلى صناعة ظلم جديد.وفي النهاية، يبقى الجيش اللبناني جيش كل اللبنانيين، وشهداؤه شهداء كل لبنان.ومن أراد أن يحمي الجيش، فليحمه بالدستور والقانون.ومن أراد أن ينصف الموقوفين، فليُنصفهم بالقضاء الشبه المعطل والعدالة.أما تحويل الاثنين إلى معركة سنية ـ عسكرية، فهو إساءة إلى الجيش، وإساءة إلى السنة، وإساءة إلى لبنان كله.المحامي عماد مارسيل جعارة Read more














