حين يصير الرجال وطنًا... الجيش اللبنانيّ حارس النبض الأخير (جومانا ناهض)
newsare.net
جومانا ناهض -ليس عيد الجيش مناسبة عابرة تُكتب فيها كلمات التهنئة ثم تمضي، بل هو وقفة عزٍّ ووفاءٍ أمام حكاية وطنٍ كُتبت فصولها بدموع الأمهات، وحين يصير الرجال وطنًا... الجيش اللبنانيّ حارس النبض الأخير (جومانا ناهض)
جومانا ناهض -ليس عيد الجيش مناسبة عابرة تُكتب فيها كلمات التهنئة ثم تمضي، بل هو وقفة عزٍّ ووفاءٍ أمام حكاية وطنٍ كُتبت فصولها بدموع الأمهات، ويُتمِ الأولاد، وعرق الجنود، ودماء الشهداء الذين جعلوا من أجسادهم جسورًا تعبر فوقها الأوطان نحو الحياة.واحدٌ وثمانون عامًا، والجيشُ اللبناني يقف حيث تهتزّ الأرض ولا يهتزّ، ويحارب حين تحتدم المعارك فلا ينكسر، ويستردّ الأرض حين تُحتلّ فلا يستسلم، وحيث تتكاثر المحن يبقى علامةَ الثبات الأخيرة.مرّت على لبنان سنواتٌ من النار والخوف، وتعاقبت عليه الحروب والأزمات والانقسامات والكوارث، لكن كان هناك دائمًا رجالٌ ببذّاتهم العسكرية يقفون على الحواجز، أو في الثكنات، أو في قلب العاصفة، ليقولوا بصمتهم العظيم: «ما زال لبنان هنا.» رجالٌ يُزنّرون الحدود، فتهتزّ الأرض تحت أقدامهم، وهم يعرفون أنّ الموت قريب منهم أقرب من الجفن إلى العين، فيُقدِمون، ولا يعرف التخاذل أو الجبن إليهم سبيلًا.يا جيشنا الباسل، ويا أبناء التراب الغالي، الذين حملوا الوطن على أكتافهم يوم أثقلته الجراح، ويا حرّاس الفجر الذين سهروا لينام شعبهم بأمان، كم يشبه تاريخكم تاريخ الأرز؛ جذورٌ ضاربةٌ في الأرض، وعنادٌ نبيلٌ في مواجهة الرياح، ورمزيةُ وطنٍ لا يشيخ. لم تسألوا يومًا عن طائفة من تحمون، ولا عن انتماء المنطقة التي تسهرون عليها، لأنّ لبنان كلّه كان دائمًا وجهتكم الأكيدة، وعلمه رايتكم الوحيدة.كم من أمٍّ ودّعت ابنها على أمل اللقاء، فعاد إليها محمولًا على الأكتاف شهيدًا يلفّه العلم! وكم من زوجةٍ خبّأت دموعها خلف ابتسامة الصبر! وكم من طفلٍ كبر وفي قلبه صورةُ أبٍ رحل ليبقى الوطن!لقد عرف اللبنانيون جيشهم في كل الظروف. عرفوه في الحرب حين كان خطّ الدفاع الأخير، وفي السلم حين كان ركيزة الاستقرار. عرفوه بين الركام بعد الكوارث، وفي القرى النائية مع أهلها، وعلى الحدود البعيدة مواجهًا الأعداء، وفي الساحات التي ضاقت بأوجاع الناس. وحين اشتدّت الأزمات على العسكريين أنفسهم، وباتت الحياة أثقل من أن تُحتمل، لم يتركوا مواقعهم، ولم يتراجعوا عن مهماتهم، لأنّ القسم الذي أقسموه كان أكبر من التعب، وأعمق من الأزمات، وأسمى من المعاناة.وفي السنوات التي تبدّلت فيها أشياء كثيرة، بقي الجيش ثابتًا كنبض الأرض، مؤمنًا بأنّ الوطن لا يُترك وحيدًا. كان الملاذ حين خاف الناس، وكان الأمل حين تراجعت الأحلام، وكان صورة لبنان الذي نريده: موحّدًا، صامدًا، وسيّدًا على أرضه، وكبيرًا بين الأوطان.في عيدكم اليوم، لا تكفي الكلمات لردّ بعض الجميل، ولا تكفي القصائد لتعداد تضحياتكم، ولا تفيكم كلمة «شكرًا» حقّكم. لكن يكفي أن يعرف كلُّ من ارتدى البدلة المرقّطة أنّ هناك وطنًا يدين له بالعرفان، وشعبًا يحفظ أسماء شهدائه في القلب قبل الذاكرة، وجيلًا تربّى على حبّه حتى باتت تحية «يعطيك العافية يا وطن» أجمل تحيةٍ له.رحم الله شهداء الجيش اللبناني الذين صاروا نجومًا في سماء الوطن، وحمى الله جنوده الأحياء الذين ما زالوا يزرعون الأمان في دروب اللبنانيين، ويحفظون لبنان بتفانيهم؛ لأنّ الأوطان قد تتعب، لكنها لا تسقط حين يؤمن رجالها بها حتى النبض الأخير.كل عام والجيش اللبناني قصةُ الوفاء التي لا تنتهي، وأملُ الشعب الذي لا يغيب. وكل عام ولبنان بخير، ما دام على ثراه جنودٌ، إذا خُيِّروا بين الخطر والوطن، اختاروا الوطن دائمًا. Read more












