«لقاء حماية لبنان»: حين تصبح الدعوة إلى الدولة فعلاً سياسياً (رندا شمعون)
newsare.net
في الأوطان المأزومة، لا تكمن الأزمة في غياب الحلول وحده، بل في غياب الإرادة للبحث عنها. وحين يتحول الانقسام إلى هوية سياسية، والتباعد إلى مصلح«لقاء حماية لبنان»: حين تصبح الدعوة إلى الدولة فعلاً سياسياً (رندا شمعون)
في الأوطان المأزومة، لا تكمن الأزمة في غياب الحلول وحده، بل في غياب الإرادة للبحث عنها. وحين يتحول الانقسام إلى هوية سياسية، والتباعد إلى مصلحة، والتخوين إلى لغة يومية، يصبح مجرد السعي إلى جمع المختلفين حدثًا سياسيًا بحد ذاته.من هنا، تكتسب مبادرة «حماية لبنان» التي أطلقها رئيس التيار الوطني الحر النائب جبران باسيل معناها الحقيقي. فهي لم تُولد لإلغاء الخلافات، فذلك وَهمٌ لا تعرفه السياسة، بل لإعادة ترتيبها تحت سقف الوطن. ولم تسعَ إلى توحيد المواقف، بل إلى توحيد المرجعية: الدولة. ففي لحظة تتنازع فيها المشاريع لبنان، وتتنافس فيها الولاءات على أرضه، اختارت المبادرة أن تعيد طرح السؤال الذي يكاد يغيب عن الحياة السياسية: ماذا يبقى إذا خسر اللبنانيون دولتهم؟لقد اعتاد اللبنانيون، خلال السنوات الأخيرة، أن تُدار حياتهم الوطنية من وقع التحولات الإقليمية والدولية. فباتت السياسة المحلية أسيرة ما يدور في العواصم، أكثر مما هي نتاج إرادة اللبنانيين أنفسهم. وصار النقاش العام يدور حول موازين القوى الخارجية، بينما تراجع السؤال الأكثر جوهرية: كيف نحمي لبنان بوصفه وطنًا، لا مجرد ساحة تتقاطع فوقها مصالح الآخرين؟من هنا، اختار التيار الوطني الحر أن يذهب في اتجاه مغاير. فمن خلال مبادرة «حماية لبنان»، لم يقدّم ورقة سياسية جديدة فحسب، بل حاول استعادة معنى السياسة نفسها؛ أي القدرة على إنتاج مساحة يلتقي فيها المختلفون حول الثوابت التي لا يجوز أن تتحول إلى مادة نزاع. فالدولة ليست تفصيلًا دستوريًا، والسيادة ليست شعارًا ظرفيًا، والسلم الأهلي ليس بندًا تفاوضيًا، بل هي الأسس التي يفقد الوطن معناها إذا سقط أحدها.ولم يكن من قبيل المصادفة أن يسبق اللقاء أشهر من الحوار والمشاورات مع شخصيات وكتل نيابية تنتمي إلى مقاربات سياسية متعددة. فالمبادرة لم تُبنَ على منطق استقطاب المؤيدين، بل على محاولة توسيع مساحة المشترك الوطني، انطلاقًا من قناعة بأن حماية لبنان لا يمكن أن تكون مشروع فريق، بل مسؤولية وطنية تتطلب الحد الأدنى من التفاهم بين مكونات الوطن.ولهذا، اكتسب اللقاء أهميته من تنوع من لَبّوا الدعوة، ومن تنوع من أعلنوا تأييدهم لمقرراته، وفي مقدمهم النائب فيصل كرامي، الذي رأى فيها أرضية وطنية تستحق الدعم، بما تتضمنه من تأكيد على الدولة، ودور الجيش، ورفض الفتنة والتقسيم والتدخلات الخارجية. وهذه المواقف، على اختلاف خلفيات أصحابها، منحت المبادرة قيمة تتجاوز بُعدها التنظيمي، ورسّخت فكرة أن البحث عن القواسم المشتركة ما زال ممكنًا رغم عمق الانقسامات.إن أخطر ما أصاب الحياة السياسية اللبنانية ليس تعدد الخلافات، بل ترسيخ الاعتقاد بأن الحوار لم يعد ممكنًا، وأن كل اختلاف يجب أن ينتهي إلى قطيعة. ومن هنا، فإن القيمة الفعلية لـ«حماية لبنان» لا تُختصر في وثيقة أو توصية أو لقاء، بل في كسر هذه القناعة، وإعادة الاعتبار لفكرة أن السياسة ليست فن إدارة العداوات، بل فن بناء التوافقات التي تحمي الكيان عندما تهتز من حوله كل المعادلات.قد لا تغيّر مبادرة واحدة المشهد اللبناني بين ليلة وضحاها، لكن التاريخ لا يتقدم بالقفزات المفاجئة، بل بالأفكار التي تجرؤ على مواجهة المسلّمات. وما فعله التيار الوطني الحر و رئيسه النائب جبران باسيل، هو إعادة فتح باب أوحى كثيرون بأنه أُغلق نهائيًا: باب الحوار الوطني حول الدولة، لا حول اقتسامها، وحول السيادة، لا حول تأويلها، وحول مستقبل لبنان، لا حول مواقع اللبنانيين في صراعات الآخرين.فالأوطان لا يحميها ميزان الغلبة، لأن الغالب فيها لا يلبث أن يصبح مغلوبًا مع تبدل الموازين. ولا تبنيها التسويات المؤقتة، لأنها تزول بزوال ظروفها. أما ما يبقى، فهو اتفاق اللبنانيين على أن الدولة ليست جائزة يتنافسون عليها، بل البيت الذي إذا تصدعت جدرانه، لن يبقى سقف يحتمي تحته أحد. وربما تكون هذه، في جوهرها، الرسالة الأعمق التي أرادت مبادرة «حماية لبنان» أن تقولها: إن إنقاذ الدولة لم يعد خيارًا بين خيارات، بل الشرط الأول لبقاء لبنان نفسه. Read more












