newsare.net
تزداد رحلة النزوح قسوة. ومع دخول الحرب شهرها الرابع، يختبر النازحون مرحلة جديدة، أسوأ ما فيها هو التأقلم مع النزوح والمجتمعات المضيفة، وصولارحلة النزوح الطويلة: البحث عن عمل ومدارس بات ضرورة
تزداد رحلة النزوح قسوة. ومع دخول الحرب شهرها الرابع، يختبر النازحون مرحلة جديدة، أسوأ ما فيها هو التأقلم مع النزوح والمجتمعات المضيفة، وصولاً إلى التفكير بفتح محال تجارية والبحث عن مدارس مناسبة للأولاد وضمن القدرة المالية المتاحة. والخيارات ليست سهلة، وتختلف درجة صعوبتها وتشعّباتها بحسب حالة وظروف كل عائلة. لكنّ المشترك بينها هو ضرورة البحث عن مصدر دخل يساعد في سداد المصاريف.المدرسة أولويةتتحضّر المدارس لانتهاء العام الدراسي الحالي. لكن الأهالي يستبقون المرحلة ويفكّرون بالعام الدراسي المقبل. فالكثير من الخيارات تتعلّق بالمدرسة وأقساطها. وبالنسبة للكثير من النازحين، باتت الأولوية بعد هي لإيجاد منازل آمنة، هي إيجاد مدارس مناسبة للأولاد والقدرة المالية التي تتقلّص يومياً بفعل استمرار النزوح.ينقسم أهالي التلاميذ بين فئة اختارت المدرسة الرسمية منذ ما قبل الحرب، وبالتالي خياراتها اليوم محسومة لجهة التحاق أولادها بالمدارس الرسمية في أماكن النزوح، وفئة ثانية كان بمقدورها تسجيل أولادها في مدارس خاصة قبل الحرب، وستتّجه نحو المدرسة الرسمية في العام المقبل إذا استمرّت الحرب واستنزفت ما تبقّى من مدّخرات. وفئة ثالثة تعيش حيرة مضاعفة، وهي فئة الأساتذة الذين يعلّمون في المدارس الخاصة وأولادهم مسجّلون فيها.وأمام الفئة الأخيرة ثلاثة خيارات أيضاً «أولاً، البحث عن عمل في إحدى المدارس الخاصة. وثانياً استكمال التعليم في مدارسهم الحالية، على أن يصبح التعليم عن بُعد في العام التالي»، وفق ما تقوله المعلّمة رنا خليل، التي تدرّس في إحدى المدارس الخاصة في منطقة صور. أمّا الخيار الثالث الذي ترفض «مجرّد التفكير به»، فهو تسجيل طفليها في مدرسة رسمية. والرفض «ليس انتقاصاً من أهمية المدرسة الرسمية ودورها، لكن الطفلين اعتادا نمطاً معيّناً من الدرس، وسيتغيّر في المدرسة الرسمية». ورغم وجود خيارين آخرين، إلاّ أنّ للمسألة المادية القرار الأخير.وتقول خليل لـ«المدن»، إنّ المدرسة التي تعمل فيها «لم تطرح حتى الآن الخيارات المتاحة للعام المقبل. لكن علينا التفكير بالاحتمالات، ومنها التعليم عن بُعد. وهذا الخيار يحمل معه تقليص الرواتب المتدنّية في الأصل». أمّا خيار التعليم في مدرسة جديدة، فيواجه «إمكانية عدم توفّر مكان شاغر. بالإضافة إلى مستوى الرواتب الذي لا يتناسب مع الأقساط المرتفعة». وتشير خليل إلى أنّ «جولة صغيرة على بعض المدارس الخاصة في أكثر من منطقة، بيَّنَت أن أدنى الأقساط في مدرسة مناسبة، لا يقلّ عن 2500 دولار للطفل الواحد، ناهيك عن الأكلاف الأخرى مثل فتح ملف وأكلاف الأنشطة والدروس المتعلّقة بالتكنولوجيا والتي تتطلّب رسوماً إضافية. أي أنّ أقساط الطفلين معاً ستقفز فوق الـ 6 آلاف دولار في العام الواحد؛ أي تقسيط ما لا يقل عن 500 دولار شهرياً، تضاف إلى أجرة المنزل التي لا تقل عن 600 دولار لمنزل من دون أثاث. وتأتي المصاريف الأخرى كالنقل والأنشطة، لتزيد الكلفة».وتلفت خليل إلى أنّ «المدارس الخاصة تقدّم حسومات للأساتذة، وبالتالي، أعوّل على إيجاد فرصة تدريس في أي مدرسة مناسبة، لأحصل على الحسومات. ومع ذلك، قد لا تكون الحسومات ملائمة للوضع المادي الحالي، لأنّ الحسومات في العام الأوّل لا تكون كبيرة. لذلك يبقى الضغط المادي كبيراً». علماً أنّ ضمان توليفة العمل مع الأقساط المناسبة، يترافق معه إيجاد منزل قريب من المدرسة «وهذه معضلة إضافية قد تهدّد المشروع بكامله، لأنّ إيجارات المنازل مرتفعة جداً، وقد لا نجد منزلاً قريباً من المدرسة المطلوبة».المسار الآمن حتى اللحظة، بالنسبة إلى خليل، هو «استكمال المدرسة التعليم عن بُعد. فحينها نضمن الاستقرار. لكن قد تجد إدارة المدرسة أنّ عدد التلاميذ غير كافٍ لاستكمال عملية التعليم، فتقرِّر إنهاء رحلتها إلى حين العودة إلى الجنوب بعد انتهاء الحرب. فنصبح نحن بلا عمل فعلياً».مغامرة صعبةيأمل النازحون أن تنتهي الحرب في أقرب وقت، فذلك يعفيهم من الخيارات الصعبة التي يفرضها عليهم التأقلم مع الظروف الراهنة في أماكن نزوحهم. وطالما أنّ الحرب مستمرة، لا يسعهم إلاّ التفكير في البحث عن مصادر للدخل، ومن ضمنها فتح محال تجارية أو مطاعم وما إلى ذلك. وهذا الخيار «بات قريباً»، وفق ما يقوله هشام الحاج علي الذي كان يمتلك مطعماً للفول والحمّص ومحلاً للحلويات، في بلدة معركة في قضاء صور.في الوقت الراهن، يعيش هشام عاطلاً عن العمل «لكن ذلك لا يجب أن يطول». ويشير في حديث لـِ «المدن» إلى أنّه «بعد نحو 4 أشهر على النزوح، استنزفنا المدّخرات التي كانت مرصودة لتطوير العمل في المطعم ومحل الحلويات. وبعد أن كان الهدف الأساسي في بداية النزوح هو تأمين المسكن الآمن، أصبح البحث عن عمل ضرورة قصوى».حاولَ هشام إيجاد عمل لدى محال الحلويات في منطقة المنية حيث ينزح، لكن من دون جدوى «والسبب الرئيسي لذلك هو العمر، إذ تخطّيت الخمسين عاماً، والعمل في مجال الحلويات يحتاج إلى شبّان يافعين». على أنّ الخيار الثاني أمامه كان افتتاح مطعم للفول والحمّص. لكن هذا الخيار «مكلف جداً من الناحية المالية، إذ إنّ أقل مطعم يحتاج إلى ما بين 8 إلى 10 آلاف دولار. ودفع مبلغ كهذا يُعتبر مغامرة في ظل عدم معرفة كيف سيتعامل أهل المنطقة مع المحل الجديد، ولا نعرف أين قد تكون النقطة المناسبة لفتح المحل».وفي السياق نفسه، لدى هشام خيار «الذهاب إلى القرية والإتيان بالمعدّات الموجودة في المطعم هناك. لكن هذا الخيار فيه مغامرة خطرة أيضاً، بسبب القصف الإسرائيلي». ومع احتمالات وقف إطلاق النار أو انتهاء الحرب في أي لحظة «يزداد مستوى المغامرة. لأنّني سأضطر إلى إعادة نقل المعدات إلى الجنوب وخسارة ما دفعته في المحلّ في حال استئجاره». ويشعر هشام أنّه ينطلق «من نقطة الصفر أو أقل. فالخيارات معقّدة، والعمل بات ضرورة رغم أنّه مغامرة. ولذلك، نحن نعاني وذاهبون إلى المجهول».انتقال النازحين من البحث عن منزل إلى البحث عن عمل، يعني أنّهم يبحثون عن استقرار أكبر. وتحمل هذه الخطوة مخاطر كبيرة، ليس فقط على مستوى صعوبة إيجاد عمل، بل أيضاً على مستوى التسليم بأنّ الحرب طويلة وتستدعي الدخول في نمط جديد من الحياة عماده الاستقرار، رغم الأمل بانتهاء الحرب والعودة القريبة إلى الجنوب. Read more











