newsare.net
هناك لحظات في تاريخ الأمم، لا تكمن أهميتها في الوثيقة التي وُقّعت، بل في السؤال الجديد الذي تفرضه على المجتمع.مساء الأمس، لم يوقّع لبنان وإسرابناء الدولة: هذا هو الإمتحان الحقيقي للبنانيين! - ألكسندر نعمه
هناك لحظات في تاريخ الأمم، لا تكمن أهميتها في الوثيقة التي وُقّعت، بل في السؤال الجديد الذي تفرضه على المجتمع.مساء الأمس، لم يوقّع لبنان وإسرائيل مجرد ورقة تفاهم أولية برعاية الولايات المتحدة الأميركية، بل دخل لبنان، شاء البعض أم أبى، مرحلة جديدة من النقاش حول مفهوم الدولة نفسها.قد يختلف اللبنانيون حول مضمون الاتفاق، وقد يعتبره فريق فرصة تاريخية، فيما يراه آخر تنازلًا أو مخاطرة. وهذا حق طبيعي في أي نظام ديمقراطي. لكن بعيدًا عن الانقسام السياسي، ثمة حقيقة لا يمكن تجاهلها: لقد تغيّر النقاش.فبعد سنوات طويلة كان الجدل يتمحور حول شرعية السلاح، ودور المقاومة، وجدوى الحروب، وهوية المحاور الإقليمية، أعادت هذه الوثيقة النقاش إلى مكان آخر، أكثر عمقًا وأكثر أهمية: من يملك حق اتخاذ قرار الحرب والسلم؟ من يحتكر استخدام القوة؟ من يمثل لبنان أمام العالم؟ ومن يتحمل مسؤولية إعادة بناء الدولة؟وللتثبيت، هذه ليست أسئلة الاتفاق، بل أسئلة الدولة.ومن يتابع المقالات التي كتبتها خلال الأشهر الماضية، يلاحظ أنني لم أكن أكتب عن الحرب بوصفها مواجهة عسكرية فحسب، ولم يكن هدفي مهاجمة هذا الفريق أو ذاك، بل كنت أحاول العودة، في كل مرة، إلى السؤال نفسه: ماذا تعني الدولة؟كتبت عن حصرية قرار الحرب والسلم، وعن جدوى الحروب وكلفتها، وعن الفرق بين السلام والتطبيع، وعن انتقال لبنان من دولة المكونات إلى دولة المواطنين، وعن ضرورة أن يخرج لبنان من موقع الساحة إلى موقع الدولة. يومها، بدت هذه الأفكار بالنسبة للبعض مجرد اجتهادات سياسية، أما اليوم، فإن معظمها أصبح جزءًا من وثيقة رسمية تتحدث باسم الدولة اللبنانية.وهنا تكمن أهمية اللحظة، ليس لأن الاتفاق أنهى كل الخلافات، ولا لأنه قدّم حلولًا نهائية، بل لأنه أعاد الاعتبار إلى مفهوم غاب طويلًا عن النقاش اللبناني، مفهوم الدولة بوصفها المرجعية الوحيدة التي تحتكر قرار الحرب والسلم، وتمثل مواطنيها أمام العالم، وتتحمل وحدها مسؤولية الدفاع عنهم وإعادة إعمار وطنهم.قد يرفض البعض هذه المقاربة، وقد يخشى آخرون من تداعياتها، لكن لا يمكن إنكار أن النقاش نفسه قد تبدّل. فبعد أن كان السؤال: من يحمل السلاح؟ أصبح السؤال: كيف نبني دولة قادرة على ممارسة وظائفها الطبيعية؟وهذا، في رأيي، هو التحول الحقيقي.فالدول لا تُقاس فقط بقدرتها على خوض الحروب، بل بقدرتها على منع الحروب عندما تصبح كلفتها أكبر من نتائجها، وعلى حماية مواطنيها بالدبلوماسية كما تحميهم بالمؤسسات، وبالقانون كما تحميهم بالجيش.إن ما يحتاجه لبنان اليوم ليس الاحتفال بالاتفاق ولا رفضه بصورة تلقائية، بل قراءته بعقل الدولة، لا بعقل المحاور.عندها يصبح من الطبيعي، أن نسأل أنفسنا الأسئلة التالية:- هل يكرّس هذا الاتفاق سيادة الدولة فعلًا؟- هل يمنح الجيش اللبناني القدرة الكاملة على حماية الحدود؟- هل يفتح الباب أمام إعادة الإعمار وعودة النازحين واستعادة الاقتصاد؟- وهل يستطيع اللبنانيون، للمرة الأولى منذ عقود، أن يتعاملوا مع الدولة بوصفها المرجعية النهائية، لا مجرد طرف بين أطراف؟هذه هي الأسئلة التي تستحق النقاش، أما الأحكام النهائية، فمن المبكر إصدارها.لقد اعتاد اللبنانيون، منذ عقود، أن يناقشوا الأشخاص أكثر مما يناقشون المفاهيم، وأن ينقسموا حول الزعماء أكثر مما يتحاورون حول شكل الدولة التي يريدونها.وربما تكون هذه اللحظة فرصة نادرة للخروج من هذا المنطق. فالمشكلة في لبنان لم تكن يومًا في غياب الاتفاقات، بل في غياب الدولة القادرة على تنفيذها. ولذلك، فإن نجاح هذه الوثيقة لن يُقاس بعدد البنود التي وُقّعت، ولا بعدد الاحتفالات أو الاعتراضات التي سترافقها، بل بقدرة اللبنانيين على تحويلها إلى مناسبة لإعادة بناء الدولة، لا إلى محطة جديدة من الانقسام الداخلي.في النهاية، قد يكون أهم ما حمله هذا الاتفاق أنه نقل لبنان، ولو نظريًا، من نقاش حول السلاح إلى نقاش حول الدولة. وهذا، بحد ذاته، تطور يستحق التوقف عنده.أما الامتحان الحقيقي، فلن يكون في توقيع الوثائق، بل في قدرة اللبنانيين على بناء دولة تستطيع أن تلتزم بما توقّع، وتحمي ما تتعهد به، وتستعيد ثقة مواطنيها بعد عقود طويلة من الحروب والانقسامات.فالأوطان لا تنهض عندما توقع الاتفاقات، بل عندما تبني الدولة القادرة على تحويل تلك الاتفاقات إلى واقع يعيشه الناس. Read more











