newsare.net
في لحظة إقليمية تتسم بشدة الاضطراب وإعادة تشكيل موازين القوى برز إلى السطح ما أُطلق عليه (اتفاق مكة) كإعلان عن تشكل محور جديد يضم ثلاث قوى رئيستحالف السعودية وتركيا وباكستان: هل يرسم«اتفاق مكة» خريطة دفاعية جديدة أم يكتفي بالرمزية السياسية؟
في لحظة إقليمية تتسم بشدة الاضطراب وإعادة تشكيل موازين القوى برز إلى السطح ما أُطلق عليه (اتفاق مكة) كإعلان عن تشكل محور جديد يضم ثلاث قوى رئيسية هي السعودية وتركيا وباكستان بتوليفة تجمع بين الثقل السياسي والعسكري والمالي .بدا المشهد في واجهته الأولى كأنه محاولة جادة لإعادة رسم ميزان الردع في الشرق الأوسط عبر صيغة تتداخل فيها الموارد المالية والنفوذ الديني مع القوة العسكرية والصناعات الدفاعية غير أن القراءة العميقة لطبقات هذا الاتفاق تظهر تعقيدات تتجاوز بكثير ما عكسته المشاهد الرسمية للبروتوكول والتوقيع.في الظاهر يبدو التحالف خيار لبناء كتلة ردع جديدة في الشرق الأوسط لكن كلما اقتربت الصورة من التفاصيل بدا الاتفاق أقرب إلى هندسة سياسية طموحة منه إلى منظومة دفاعية متماسكة.تباين الأولويات وتقاطع تعريفات الخطرتعتمد متانة التحالفات العسكرية في المقام الأولعلى وجود فهم مشترك لمصدر التهديد وعلى الرغم من أن الأطراف المشاركة تتمتع بثقل جيد إلا أن كل طرف ينظر إلى منظومة أمنه القومي من زاوية مختلفة تماما فالأولويات الأمنية لمدينة كـالرياض لا تتطابق بالضرورة مع حسابات أنقرة أو إسلام آبادهذا التباين اللافت لا يظهر عادة في البيانات الختامية المصاغة بعبارات فضفاضة بل يتجلى بوضوح في الممارسات والتجارب العملياتيةتقول صحيفة فايننشال تايمز إن الهياكل السياسية التي تبدو ضخمة على الورق غالبا ما تفقد قدرتها الفاعلة على الردع عندما تصطدم بتعاريف متضاربة لمعنى الخطر بين أعضائها، وهذا ما يبدو أنه ينطبق على هذا التحااف الجديداختبار المنظومة الخليجية والبدائل المستقلةقبل الذهاب نحو بناء مظلات دفاعية جديدة مع شركاء من خارج الإقليم المباشر تُظهر المراجعة التاريخية أن المظلة الدفاعية الخليجية كانت تمتلك بالفعل مقومات ومؤسسات أمنية موحدة ودفاعات جوية تُصنّف ضمن الأكثر حداثة واستعدادا وقد أثبتت المحطات الإقليمية الحاضرة ولا سيما المواجهات المباشرة وغير المباشرة أن التحديات الأمنية ذات طابع مشترك يمس استقرار المنطقة ككل.وفي هذا السياق تناولت تقارير صحيفة وول ستريت جورنال عمليات جوية غير معلنة نُسبت إلى الإمارات داخل إيران بينها ضربة استهدفت أهدافا حساسة في إيران على الرغم من أن وكالة رويترز أشارت إلى أنها لم تتمكن من التحقق من ذلك بشكل مستقل.هذا النموذج يعكس تفكيرا أمنيا يقوم على بناء قدرة وطنية ثم إظهار الاستعداد لاستخدامها وهو نهج يختلف جذريا عن إضافة مظلات جديدة دون اختبار القديمةتجربة اليمن وتحديات الميدان الفعليتتجلى هذه الفجوة الاستراتيجية عند العودة إلى اختبار اليمن عام 2015 حين احتاجت الرياض إلى حلفاء يقاتلون معها فعليا في الميدان دخلت دول خليجية الحرب وقدمت الإمارات قوات وطائرات وتحمّلت خسائر كبيرة بينما اختارت أطراف أخرى البقاء خارج المعركة رغم العلاقات الوثيقة التي تجمعها بالمنطقة ومنها تركيا وباكستانهذا الاختبار لم يكن نظريا ، بل كشف حدود التحالفات عندما تتحول السياسة إلى حرب حقيقية، خاصة أن الخصم نفسه لم يختفِ، بل أصبح أكثر قدرة على تهديد الملاحة الإقليمية والدولية مما كان عليه عند بداية العمليات العسكرية.بناء الرواية الاستراتيجية وتعديل أولوياتالتنميةتأتي هذه التحركات في وقت تشهد فيه المنطقة صعود لقيادات جديدة وإعادة ترتيب للاستراتيجيات الاقتصادية والعسكريةالحرب في اليمن رغم أمدها الطويل لم تُحسم وبقيت نتائجها معلقة بسبب تخبط الرياض في إدارة الملفوهنا يكتسب اتفاق مكة أبعاده السياسية والإعلامية فهو يقدم وثيقة تحمل عبارة (الدفاع المشترك)ويضع قوة نووية كباكستان إلى جانب تركيا العضو في حلف الناتو ليُشكّل محاور جديدة يمكن تقديمها للعالم كدليل على قدرة الرياض على بناء تحالفات موسعة.لكن وفي الوقت نفسه كما ذكرت وكالة رويترز، فإن بعض المشاريع الكبرى ضمن رؤية 2030 خضعت لإعادة تحجيم أو تعديل بينها مشروع نيوم الذي جرى تحويل جزء من موارده إلى أولويات اقتصادية أخرى وهنا يصبح التحالف الجديد رواية جاهزة عن القوة أسرع في البناء وأقل كلفة من استكمال مدينة عملاقة أو خوض حرب استنزاف طويلةالتعقيدات التاريخية وطموحات النفوذ الإقليميتتقاطع في خلفية الاتفاق طبقات تاريخية وسياسية ودينية تجعل الاندماج الكامل بين هذه الدول مسألة في غاية التعقيد؛ فالتصورات المختلفة لدور كل دولة داخل العالم الإسلامي والتجارب السابقة في ملفات إقليمية حساسة تجعل السؤال الحقيقي يتجاوز حسن النوايا ليطال مدى قابلية هذه التصورات للاندماج داخل استراتيجية واحدة تقودها الرياض.وفق مركز كارنيغي للشرق الأوسط فإن مشروع (العثمانية الجديدة) ليس محاولة لإعادة بناء الإمبراطورية التاريخية بل هو سعي لتوسيع النفوذ عبر الاستثمار في الإرث التاريخي وهي مشاريع ذاتية لا يمكن إلغاؤها أو تذويبها بسهولة داخل تحالفات جديدةدروس السياسة والدين في تجارب المنطقةيمتد هذا التعقيد إلى التداخل بين الدين وهندسة الدولة، حيث توفر التجربة الباكستانية في الثمانينيات عندما حاولت السلطة فرض نظام زكاة موحد درسا بليغا في كيفية تحول إقحام المذهب في السياسة إلى أداة للانقسام.وفق دراسة لجامعة كامبريدج، فإن تلك الأزمة ساهمت في تنظيم الشيعة سياسيا بدلا من تعزيز وحدة الدولة وهو درس يتجاوز حدود جغرافية باكستان ليؤكد أن الدولة الحديثة يجب أن تعلو فوق المذهب وأن المواطنة هي الأساس الوحيد للتماسك الاجتماعي والأمنياختبارات الردع وسيناريوهات المواجهة المفترضةتمتلك السعودية اليوم منظومات وتحالفات متعددة من مجلس التعاون الخليجي وقوات درع الجزيرة إلى التحالف الإسلامي العسكري، والشراكات العسكرية التاريخية مع واشنطن لكن القوة الحقيقية للتحالفات لا تُقاس بعدد الأطر والاتفاقيات بل بما يحدث عند أول اختبار عملي.ذكر مركز كارنيغي في تحليل آخر إن تعدد الدول واختلاف مصالحها المباشرة يجعل اتخاذ القرار الدفاعي داخل التحالفات الموسعة أمرا معقدا وشديد البطء، وهو التحدي الهيكلي ذاته الذي يواجه اتفاق مكة وهنا تظهر هذه الفجوة جليا عند وضع التحالف أمام سيناريوهات المواجهة المفترضة ومنها نزاع جنوب آسيا فلو اندلعت مواجه عسكرية بين الهند وباكستان فمن المستبعد أن تدخل الرياض حربا ضد قوة نووية تربطها بها مصالح اقتصادية وتجارية ضخمة وسيكون الخيار الوحيد المتاح هو الدبلوماسية والوساطةولو وقع نزاع مسلّح في شرق المتوسط فمن غير المرجح أن تتحول الضربة الموجهة إلى أحد الشركاء إلى استدعاء تلقائي للرد الدفاعي من باقي الأطراف.حتى في حال وقوع مواجهة مباشرة مع طهران تتراجع احتمالات الانخراط الشامل إذ إنه بعد أيام قليلة من توقيع الاتفاق وكما ذكرت وكالة رويترز، دعا أحد القادة الإقليميين المشاركين واشنطن إلى العودة إلى طاولة المفاوضات مع إيران وتجنب التصعيد العسكري.حدود الشراكة الاستراتيجية وميزان النتائجإن اتفاق مكة بما يحمله من دلالات ورسائل استراتيجية يمنح السعودية رواية إعلامية وسياسية جديدة ومؤثرة عن القوة والنفوذ في المحافل الدولية غير أنه ومن الناحية العملية يظل تحالفا سياسيا لم يخضع بعد للاختبار الميداني ليبقي سؤالا حاسما معلقا في أروقة السياسة الدولية وهو : من هو الشريك الذي سيختار القتال الميداني فعليا عندما تصبح الكلفة العسكرية والسياسية أعلى بكثير من العائدات الاقتصادية والرموز الإعلامية؟ Read more











