newsare.net
ليست سجلات الأحوال الشخصية مجرد أوراق إدارية تحفظ فيها الدولة بيانات المواطنين، بل هي المرجع الرسمي الذي يثبت الوقائع الأساسية في حياة الإنسهل ما زال قانون الأحوال الشخصية لعام 1951 يُطبَّق في لبنان أم يخضع لاستنسابية المديرين العامين؟ (ريتا بستاني)
ليست سجلات الأحوال الشخصية مجرد أوراق إدارية تحفظ فيها الدولة بيانات المواطنين، بل هي المرجع الرسمي الذي يثبت الوقائع الأساسية في حياة الإنسان: ولادته، زواجه، طلاقه، أولاده، ووفاته، وما يترتب على هذه الوقائع من حقوق وآثار قانونية.ولهذا السبب، وضع لبنان منذ عقود نظاماً قانونياً دقيقاً لقيد وثائق الأحوال الشخصية، يعود في أساسه إلى قانون قيد وثائق الأحوال الشخصية الصادر في 7 كانون الأول 1951 وتعديلاته.ومن أهم المبادئ التي تقوم عليها آلية العمل في الأحوال الشخصية حفظ القيود الرسمية ومطابقة المستندات مع القيود الموجودة. فالمستند الجديد لا يُفترض أن يُنفذ بمعزل عن القيد الرسمي القائم، بل يخضع للتدقيق والمطابقة والتثبت من صحة مندرجاته ومن صلاحيته القانونية لإحداث التغيير المطلوب.وهذا ليس مجرد تفسير أو اجتهاد. فقد أصدرت المديرية العامة للأحوال الشخصية في 2 تموز 2020 التعميم رقم 53 المتعلق بالتشدد بتدقيق ومطابقة مندرجات وثائق الوقوعات قبل التنفيذ، بعدما تبين لها أن عدداً من الأخطاء كان ناتجاً عن عدم تدقيق الموظفين ومطابقة مندرجات الوثائق مع السجل قبل إنفاذها. وشددت المديرية على ضرورة التزام الموظفين بالأصول القانونية، وذهبت إلى حد التأكيد على إحالة الموظف الذي تثبت مسؤوليته عن المخالفة إلى التفتيش المركزي.وفي معاملات تسجيل الطلاق تحديداً، تشترط آلية المديرية العامة للأحوال الشخصية تقديم «وثيقة طلاق مطابقة للقيود ومنظمة وموقعة وفقاً للأصول»، إلى جانب الحكم النهائي الصالح للتنفيذ وطبق الأصل عن وثيقة الزواج، قبل استكمال إجراءات التنفيذ والموافقة عليه.وهنا تكمن أهمية هذه القاعدة:السجل الرسمي للدولة ليس ورقة عادية يمكن تعديلها بتوقيع أو بإشارة إدارية، بل سجل يفترض أن تحكم تغييره قواعد واضحة ومستندات قابلة للمطابقة.لكن ماذا يحدث عندما لا تُحترم هذه القاعدة؟من خلال وقائع ومستندات ظهرت مؤخراً في إطار بحث صحفي استقصائي، برزت حالات تثير أسئلة جدية حول كيفية انتقال بعض المستندات من جهات مختلفة إلى سجلات الأحوال الشخصية، وما إذا كانت هذه المستندات قد خضعت فعلاً للمطابقة والتدقيق اللذين تفرضهما القواعد القانونية والإدارية.ومن بين الأمثلة التي تستحق التوقف عندها حالة جرى فيها تغيير قيد زواج مدني مسجل في الدولة اللبنانية منذ عام 2000، استناداً إلى حكم صادر عن محكمة روحية يتناول، بحسب مضمونه، فسخ زواج كنسي أو روحي آخر معقود سنة 2008.إذا صحت هذه الواقعة كما تظهرها المستندات، فنحن لا نتحدث عن مجرد خطأ في اسم أو تاريخ.نحن نتحدث عن سؤال جوهري:هل يمكن لوثيقة أو حكم يتعلق بواقعة زواج معينة أن يؤدي إلى إلغاء أو تغيير قيد رسمي يتعلق بواقعة زواج أخرى، مختلفة في طبيعتها وتاريخها، من دون أن يكون الحكم نفسه قد تناول هذا القيد؟وهذا السؤال يقودنا إلى سلسلة الإجراءات التي تمر بها وثائق الأحوال الشخصية: من المختار، إلى المرجع المختص، إلى دوائر التنفيذ، وصولاً إلى المديرية العامة للأحوال الشخصية.وفي كل مرحلة من هذه المراحل، يفترض أن تكون هناك مسؤولية قانونية وإدارية في التحقق من المستند ومضمونه وصلاحيته ومدى مطابقته للقيد الموجود أصلاً.فالخطر لا يكمن فقط في إصدار مستند غير صحيح؛ بل في أن يتم استعمال مستند صحيح في ذاته لإحداث أثر لا يتضمنه أو لا يسمح به مضمونه.وهنا يصبح الفرق بالغ الأهمية بين أمرين:أن تكون الوثيقة صحيحة، وأن يكون استخدامها صحيحاً.فقد يكون الحكم موجوداً وصحيحاً من حيث صدوره، ولكن السؤال هو: ما الذي قضى به تحديداً؟ وعلى أي قيد يمكن قانوناً أن يُنفذ؟إذا كان الحكم الروحي يقضي بفسخ زواج كنسي، وكان في سجلات الدولة زواج مدني مختلف، فإن مجرد وجود الحكم لا يجيب وحده عن السؤال. يجب أن نعرف ما هو السند القانوني الذي يسمح بانتقال أثر هذا الحكم إلى القيد المدني، ومن هي الجهة التي تملك صلاحية إجراء هذا التغيير، وهل تم التحقق من مطابقة المستند للقيد الذي جرى تعديله.وهنا تصبح «المطابقة» أكثر من مجرد إجراء إداري.إنها ضمانة للمواطن.لأن المواطن الذي يسجل واقعة شخصية لدى الدولة يفترض أن تبقى هذه الواقعة ثابتة في سجلاتها، وأن لا تتغير إلا بمستند قانوني واضح ومطابق للواقعة التي يراد تعديلها.والأخطر أن أي خلل في هذه المنظومة لا يتوقف عند صاحب المعاملة.إذا كان من الممكن تغيير قيد زواج أو طلاق من دون الالتزام الكامل بالقواعد التي تحكم هذه العملية، فما الذي يمنع أن يطال الأمر مستقبلاً قيوداً أخرى تتعلق بالأولاد أو الإرث أو الحالة العائلية أو غيرها من الحقوق المرتبطة بالهوية القانونية للمواطن؟الأحوال الشخصية هي ذاكرة الدولة القانونية للمواطن.ومن دون سجلات موثوقة، تصبح الهوية القانونية نفسها عرضة للشك.وهنا لا بد من التوقف عند مسؤولية الموظف العام. فليس من المفترض أن يتحول توقيع مسؤول أو إشارته إلى بديل عن القانون، ولا أن يصبح التوجيه الإداري أعلى من مضمون المستند أو من حدود الاختصاص.إذا كان القانون يفرض المطابقة والتدقيق، وإذا كانت المديرية العامة للأحوال الشخصية نفسها قد شددت على الموظفين بضرورة القيام بذلك قبل تنفيذ الوثائق، فإن السؤال المشروع هو:هل تم فعلاً إجراء المطابقة في كل مرحلة؟ وهل تحققت الجهة التنفيذية من أن المستند الذي طلب منها تنفيذه يتناول القيد الذي قامت بتعديله؟وإذا كانت الإجابة نعم، فمن حق المواطنين أن يعرفوا على أي أساس قانوني تم ذلك.وإذا كانت الإجابة لا، فالمسألة تصبح أكثر خطورة، لأنها لا تعود مجرد خطأ إداري عابر، بل تفتح باب البحث في المسؤولية الإدارية، وربما الجزائية، لكل من شارك في إصدار أو اعتماد أو تنفيذ مستند أو قيد خلافاً للأصول.هذه الأسئلة لا تخص شخصاً واحداً.نحن نطرح مثالاً واقعياً، لكن القضية التي يكشفها المثال عامة وتمس كل لبناني ولبنانية.فالمواطن لا يملك عادةً القدرة على متابعة ما يحدث في دوائر الدولة بعد تسجيل مستنداته. وهو يفترض، بحسن نية، أن القانون يحميه، وأن كل توقيع في الدولة صدر عن صاحبه ضمن حدود صلاحياته، وأن كل قيد رسمي جرى تعديله بناءً على مستند مستوفٍ للشروط القانونية.لكن المواطن اللبناني اليوم أصبح أكثر وعياً.وهذا النوع من الخلل لم يعد من السهل أن يمر بصمت أمام مواطنين ومواطنات يعرفون حقوقهم، ويستطيعون قراءة القوانين والعودة إلى المستندات الرسمية ومقارنة ما تقوله الوثيقة بما تم تسجيله فعلياً في الدولة.فالفساد الإداري، إذا ثبت وجوده، لا يبدأ بالضرورة من المال. قد يبدأ من توقيع على وثيقة، أو من تنفيذ مستند لا يطابق القيد الذي يراد تغييره.وحين يتعلق الأمر بالأحوال الشخصية، تصبح النتائج أخطر بكثير، لأننا لا نتحدث عن معاملة تجارية يمكن تصحيحها لاحقاً، بل عن هوية الإنسان ووضعه العائلي والقانوني وحقوق أولاده وأحفاده.لقد فقد اللبنانيون خلال السنوات الماضية الكثير من مقومات الدولة: اقتصاداً قوياً، واستقراراً، وأمناً، وفرصاً لحياة كريمة.لكن ما لا يجوز أن نخسره هو الثقة بالسجل الرسمي للدولة.فقد يهاجر اللبناني، وقد يعيش سنوات طويلة في الخارج، وقد يتزوج وينجب خارج لبنان، لكنه يعود إلى دولته ويسجل وقائعه الشخصية فيها لأنه يؤمن بأن لبنان يحفظ هويته، وأن المستند الذي تصدره الدولة اللبنانية اليوم سيبقى مرجعاً موثوقاً له ولأولاده ولأحفاده غداً.ومن هنا، فإن حماية الأحوال الشخصية ليست قضية بيروقراطية.إنها قضية هوية، وحقوق، وثقة بالدولة.والسؤال الذي يجب أن يُطرح اليوم ليس فقط: من أخطأ؟بل:من يملك حق تغيير قيد رسمي؟ وعلى أي مستند؟ وهل هذا المستند مطابق فعلاً للواقعة التي يراد تغييرها؟ ومن يراقب عملية التنفيذ عندما تتعارض الوثائق أو تتجاوز حدود بعضها البعض؟هذه الأسئلة لا تحتاج إلى شعارات.تحتاج إلى مستندات، وقوانين، وقيود رسمية، وإجابات واضحة.لأن الدولة التي تحترم مواطنيها هي الدولة التي يكون فيها القانون أقوى من الأشخاص، والسجل الرسمي أقوى من التوجيه الفردي، والوثيقة لا تتغير إلا وفق القانون وبموجب سند صالح قانوناً لتغييرها.وهذا هو جوهر القضية التي نطرحها. Read more











