newsare.net
أنطوان قسطنطين -لم يسبق للبنان، منذ إعلان دولته الحديثة، أن واجه هذا العدد من الأزمات الوجودية والسيادية في وقت واحد. احتلال إسرائيلي لا يزالإنفجار مرفأ أم إنفجار دولة؟... كيف نحمي لبنان؟
أنطوان قسطنطين -لم يسبق للبنان، منذ إعلان دولته الحديثة، أن واجه هذا العدد من الأزمات الوجودية والسيادية في وقت واحد. احتلال إسرائيلي لا يزال يدمّر ويقتل ويهجّر ويحرق الأرض في الجنوب. انقسام داخلي بلغ ذروته حول سلاح «حزب الله»، دور الدولة، وقرار الحرب والسلم. حدود مع سوريا مشرَّعة على احتمالات أمنية خطيرة، معطوفة على ملف نزوح تحوَّل إلى تحدٍّ ديموغرافي واقتصادي وسيادي. انهيار مالي أطاح بالقطاع المصرفي، وبدّد مدّخرات اللبنانيّين، ونسف الثقة بالدولة ومؤسساتها. تفجير مرفأ بيروت، الذي لم يكن مجرّد كارثة إنسانية، بل لحظة سقوط مدوّية لفكرة الدولة القادرة على حماية عاصمتها ومواطنيها. تدرُّجاً، تراجع الدور الذي رسمه لبنان لنفسه منذ الاستقلال، تحت عنوان الانفتاح، فسقط المرفأ والمصرف في أقل من سنة، ولم تعُد المستشفى والمدرسة والجامعة امتيازاً لبنانياً.للوهلة الأولى، تبدو هذه أزمات مستقلة، لكل منها أسبابها وحلولها. لكنّ الحقيقة أنّها ليست سوى وجوه مختلفة لأزمة واحدة، أكاد اسميها أزمة اللادولة، ليس بسبب غياب المؤسسات والأطر الدستورية والقانونية وإنما بسبب الممارسات التي أضعفت المؤسسات وضربت الدستور والقوانين. فشلت مقاربات الحلول في العقود الماضية، لأنّها عالجت الأزمات بمعزل عن بعضها البعض، كأنّ حصر السلاح مفصول عن مسؤولية الدولة في حماية شعبها. والانهيار المالي منفصل عن الفساد السياسي والإداري.هذه المقاربة جعلت كل علاج جزئي يصطدم بالأزمة الأم أي اللادولة. هذه بقيت من دون علاج، لأنّ حلّها الوحيد هو مشروع الدولة الذي لم يتحقق.النقاش الدائر حول حصرية السلاح بيد الدولة هو بلا شك نقاش مشروع، بل ضروري، لأنّه يتعلّق بجوهر السيادة وبحق الدولة في احتكار استخدام القوّة، وأنا أؤيّد هذا الحق بوضوح. لكنّ هذا النقاش يبقى ناقصاً إذا لم يسبقه سؤال أكثر عمقاً: أي دولة ستقوم بذلك؟ وكيف وصل لبنان أصلاً إلى مرحلة أصبح فيها السلاح خارج الدولة جزءاً من البنية السياسية والأمنية؟لم يولد السلاح من فراغ. إنّه نتيجة مسار طويل بدأ مع اتفاق القاهرة المشؤوم عام 1969، حين تنازلت الدولة عن جزء من سيادتها على أرضها، وشرّعت العمل الفلسطيني المسلّح. منذ تلك اللحظة، بدأت الدولة تتراجع في مواجهة اللادولة، المتمثلة بتفلّت السلاح الفلسطيني، قبل أن تتوسع ظاهرة التسلّح الحزبي والطائفي لتنفجر في غضون سنوات، ما سُمّيت بالحرب اللبنانية.شيئاً فشيئاً راحت الأحزاب والطوائف، تتسلّح ووفق خيارات كلٍّ منها، تستقوي بالخارج، وتربط جزءاً من قرارها السياسي والعسكري بمصالح دول ومحاور إقليمية. هكذا صار السلاح مظهراً لأزمة أعمق. أزمة الدولة التي تخلّت تدريجاً عن وظائفها، فلم تعُد تحتكر السلاح وتخلّت في الجنوب عن واجبها الحصري ببسط الأمن وبالدفاع عن السيادة، ولم تعُد المرجعية الوحيدة للمواطنين. وبالمنطق نفسه تخلّت عن الحماية الاجتماعية والاستشفائية والتعليمية للمواطنين، وصولاً إلى التخلّي عن حماية جنى عمرهم وودائعهم.حماية لبنان لا يمكن اختصارها بحصرية السلاح، كما لا يمكن أن تبدأ من إصلاحات منفصلة عن بعضها البعض للمال والاقتصاد والسياسة والإدارة. حماية لبنان كلٌّ متكامل، وهي تبدأ بالاتفاق على مفهوم الدولة نفسها، فيكون احتكارها للسلاح وحصر قرار الحرب بها، شرطاً لحماية الناس والحدود، ويكون تحصيل الضرائب والرسوم مشروطاً بتأمين الحقوق الحياتية للمواطنين.ما يُناقَش اليوم ليس سوى وجوه عدّة لسؤال واحد: كيف نَخرُج من مشروع اللادولة إلى مشروع الدولة؟ إنّ اختزال الأزمة اللبنانية بقضية السلاح، على أهمّيتها، لا يكفي. فالسلاح الموجود خارج الدولة يجب أن يعود إليها، لكنّه ليس أصل الأزمة، بل أحد نتائجها. السبب الحقيقي للأزمة هو أنّ الدولة فقدت، تباعاً، وظائفها الأساسية. فالسيادة والعدالة والاقتصاد ليست شعاراً، إنّها وظيفة. والسياسة الخارجية واحتكار القوّة والتنمية ليست شعاراً، إنّها وظيفة. وعندما تنتقل هذه الوظائف، تدريجياً، من الدولة إلى جهات أخرى، تصبح الدولة موجودة في النصوص، وغائبة في الواقع.حماية لبنان لا يمكن أن تبدأ بنقاش ملف واحد، مهما كانت أهمّيته. إنّها تبدأ بالاتفاق على وظائف الدولة نفسها. وظيفة الدولة أن تحمي وتدافع وتبني، وأن تضع الأسس لاقتصاد حرّ ومنتج يولّد فرص العمل، بدل اقتصاد الرَيع والاستدانة الذي انتهى بسرقة أموال الدولة والناس. وظيفة الدولة أن تنشئ لامركزية إدارية ومالية تعزّز التنمية وتُقرّب الإدارة من المواطن من دون أن تمسّ بوحدة الكيان. وظيفتها أن تُعيد وصل لبنان بعمقه العربي، بدءاً من سوريا والأردن والعراق وصولاً إلى دول الخليج. ووظيفتها أن تنفتح على أوروبا المجاورة والعالم حيث ينتشر اللبنانيّون، انطلاقاً من المصلحة اللبنانية لا من سياسة المحاور. كما وظيفتها أن تعتبر الانتشار اللبناني امتداداً لقوّتها الوطنية، لا مجرّد مصدر للتحويلات المالية.عند هذه النقطة، يتغيَّر معنى الأمن القومي والاستراتيجية الدفاعية. فهي ليست اتفاقاً على إدارة السلاح، ولا تسوية بين موازين قوى داخلية. إنّها جزء من استراتيجية وطنية أشمل، تُحدِّد أولاً ماذا نريد أن نحمي؟ ولماذا؟ وكيف نبني عناصر القوّة التي تجعل الحماية ممكنة؟ فالجيش لا يستطيع أن يحمي دولة ينهار اقتصادها. والاقتصاد لا يزدهر في ظل دولة لا تحتكر قرارها. ولا يمكن للسيادة أن تكتمل إذا بقيت وظائف الدولة موزَّعة بين مؤسسات شرعية وسلطات موازية.قبل أكثر من مئة عام، حمل البطريرك إلياس الحويّك إلى مؤتمر الصلح مشروع قيام لبنان. ولم يكن يطالب بحدود جديدة فحسب، بل بدولة تمتلك مقوّمات الحياة: مرفأ، وسهلاً، وجبلاً، واقتصاداً، ومؤسسات، وحدوداً قابلة للدفاع عنها. كان يدرك أنّ الجغرافيا لا تكفي، وأنّ الدولة لا تقوم إلّا إذا امتلكت أسباب استمرارها.بعد قرن، تغيَّرت المعركة. لم تعُد معركة إعلان الدولة، بل صارت معركة استعادة وظائف الدولة. وإذا كان مشروع اللادولة قد ترسّخ، في السنوات الـ50 الأخيرة، فإنّ مشروع الدولة لن يولد بخطاب، ولا بانتخابات، ولا بحكومة، ولا بقرار دولي. إنّه يحتاج إلى رؤية جديدة، وإرادة وطنية تُعيد إلى الدولة دورها وهيبتها، وإلى المواطن ثقته بها، وتُعيد إلى لبنان دوره.لقد أمضى اللبنانيّون عقوداً يناقشون كيفية إدارة أزمات اللادولة. وربما آن الأوان لأن يبدأوا نقاشاً مختلفاً: كيف نعيد إلى الدولة وظائفها لتقوم هي بحماية لبنان؟ Read more











